قضايا ودراسات

فلنعوّم وكالة الغوث عربياً

إلياس سحّاب

منذ وقت غير قصير نسبياً، بدأت تظهر في بعض الدول خطوات عملية حثيثة على تطبيق متدرج لما أُطلق عليه أمريكياً اسم «صفقة القرن»، في اتجاه شكلي؛ لإيجاد حل نهائي لقضية فلسطين، واتجاه عملي؛ لتصفية قضية فلسطين نهائياً.
أولى هذه الخطوات، قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ بإعلان القدس عاصمة ل«إسرائيل» قانونياً وعملياً؛ عن طريق نقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس. ومع أن هذا القرار الأمريكي المنفرد يكفي وحده ليكون تحولاً خطراً في اتجاه تصفية القضية الفلسطينية، فإن بعض الدول الصغيرة التابعة للنفوذ الأمريكي أخذت بشكل متدرج في التعبير عن تقليد الولايات المتحدة في خطوتها هذه، وسط هدوء عربي رسمي وشعبي، لا يزال حتى اليوم يحيط بهذه الخطوة الخطرة.
بعد ذلك تشجع الكنيست «الإسرائيلي» على الإقدام على اتباع خطوة كان يسعى إليها ويتمناها منذ اغتصاب فلسطين في عام 1948، واستكمال اغتصابها في عام 1967، هي خطوة إصدار قانون «يهودية الدولة الإسرائيلية» العنصري، الذي كان يطبق منذ عام 1948، ولم يكن ينقصه إلا الثوب القانوني، الذي اكتمل الآن.
وهكذا، بعد مرور أشهر قليلة من تطبيق الخطوتين العمليتين باتجاه تصفية قضية فلسطين، على طريق التطبيق المتدرج، وبعيداً عن الضجيج قدر الإمكان، ل«صفقة القرن»، رأت الولايات المتحدة، وقبل انقضاء عام 2018 أن بإمكانها الإسراع حثيثاً في استكمال بقية الخطوات، فقررت هذه المرة التقدم بوضوح شديد نحو الهدف الأسمى ل«صفقة القرن»، وهو التمهيد لتصفية الوجود القانوني لشعب فلسطين، بعد مرور سبعين عاماً، أثبت فيها هذا الشعب استعصاءه على محاولات الإفناء، أو التذويب المتدرج في شتى بقاع الأرض، فاستدارت إلى وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي أنشأتها الأمم المتحدة كواحدة من منظماتها؛ لمعالجة بعض آثار عملية اغتصاب فلسطين، بانتظار إيجاد حل عادل إن أمكن لهذه القضية. وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة التي تقدم الحصة الأوفر من الموازنة المالية لوكالة الغوث، التي ترعى شؤون اللاجئين الفلسطينيين معيشياًَ وصحياً وتعليمياً، فقد رأت إدارة الرئيس ترامب لمزيد من التعاطف مع أهداف الحركة الصهيونية في اغتصاب فلسطين، والتخلص من شعبها إن أمكن، أن تقطع علاقتها كاملة بوكالة الغوث، تحضيراً لانهيارها الكامل، وإلغاء الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين، الذين هم الشاهد الحي على النكبة، رغم مرور سبعة عقود كاملة، دون كلل أو ملل؛ بل إلى مزيد من التعلق بكامل حقوق هذا الشعب في أرض وطنه، وما يترتب على ذلك من كامل حقوقه السياسية، شأنه في ذلك شأن كل شعوب الأرض.
المفاجأة الوحيدة في هذا التصرف الأمريكي شديد الصراحة والوضوح، أن دولة أوروبية كبرى كألمانيا، سارعت في تسجيل اعتراض على التصرف الأمريكي وأعلنت على لسان المستشارة ميركل أن دولتها ستساهم في سد بعض العجز الذي أحدثه التصرف الأمريكي في موازنة وكالة الغوث ومع أن ألمانيا كانت تبدو منفردة في هذا الاتجاه، فقد فتحت بذلك باباً أمام الأمل في ألا تكون مؤامرة التصفية القانونية لوجود شعب فلسطين، مؤامرة شاملة تشارك فيها بقية دول الأمم المتحدة.
أخيراً، ألقي حجر حرك مياه هذا المستنقع الراكدة، في اجتماعات المؤتمر الدولي للبرلمانات في جنيف، خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي، فتقدمت بعض الدول العربية بمشروع يطمح إلى قيام دعم دولي لوكالة الغوث، يعوض الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بريطانيا، التي أشرفت طوال ثلاثين عاماً في النصف الأول من القرن العشرين، على التمهيد عملياً لاغتصاب فلسطين، قامت بالاعتراض العملي على المشروع العربي حتى إسقاطه.
هنا يأتي السؤال المركزي: ما العمل إذن حتى لا تتحول الخطوة الأمريكية، بكل بساطة إلى تصفية قانونية كاملة للشاهد الأكبر على حيوية القضية الفلسطينية؟
أعتقد أن الحل لن يكون في الاتجاه الصحيح إلا إذا تم بمبادرة عربية، فليس أقل من أن تتحرك جامعة الدول العربية، وتدعو إلى مؤتمر قمة عربي، أو على الأقل مؤتمر لوزراء الخارجية العرب؛ لاتخاذ قرار جماعي بإنشاء صندوق عربي فوري؛ لدعم كامل موازنة وكالة الغوث باعتبارها الحاجز القانوني المتبقي أمام محاولات التصفية القانونية لوجود شعب فلسطين العربي، وقضية فلسطين من أساسها، وصولاً إلى منع إلغاء حق العودة الذي كفلته القرارات الدولية.
إن قراراً بهذا المستوى هو أقل ما يمكن اتخاذه بسرعة، وإذا تم ذلك، فإن عدداً من الدول الصديقة، على الأقل، ستكون لها مساهمة فعالة للدعم؛ لكن شرط أن تكون المبادرة عربية في الأساس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى