قضايا ودراسات

علاقات ثابتة بين واشنطن والرياض

د. ناجي صادق شراب

التصريحات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب، وولي عهد السعودية محمد بن سلمان، تلقي الضوء على حقيقة العلاقات الأمريكية السعودية، وثوابتها، ومتغيراتها، فالرئيس ترامب، وبصريح العبارة، قال إن أمريكا لن تعاقب نفسها بخسارة الاستثمارات السعودية الضخمة، وهو يدرك حجم هذه الاستثمارات في أمريكا، خصوصاً في مجال السلاح التي تصل إلى نسبة 18 في المائة، وهي نسبة كفيلة بإنعاش الاقتصاد الأمريكي وصناعة السلاح. هو هنا يتحدث عن ثابت من ثوابت العلاقات بين البلدين الذي لم يتغير ويتبدل منذ أكثر من ثمانين عاماً.
وفي المقابل، الأمير محمد بن سلمان كان واضحاً وصريحاً بقوله: نشتري السلاح بأموالنا، وقادرون على الدفاع عن مصالحنا، وحاجاتنا الوطنية. وتحدث عن علاقات تحالفية لا يمكن التضحية بها تحت أي ظرف، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل دولة مصالحها العليا، ورؤيتها لأمنها القومي، ومن المسلم به أن تختلف وجهات النظر في العديد من القضايا، لكن الثابت أن هناك مصالح استراتيجية عليا لا يمكن تجاهلها.
هذه العلاقات تعود إلى عام 1933 مع قيام شركة الزيت العربية الأمريكية بحفر أول بئر للنفط في شرق السعودية، ثم تبعتها شركات أخرى، ومنذ ذلك الوقت والنفط عامل أساس في العلاقات بينهما. وهذه المصلحة النفطية دفعت الرئيس روزفلت عام 1943 إلى الإعلان أن الدفاع عن المملكة العربية السعودية يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة، وكان أول لقاء له مع الملك عبد العزيز بن سعود على ظهر الطراد كوينسي، وهو اللقاء الذي أسس للعلاقات بين البلدين إلى يومنا هذا. اللقاء دام نحو خمس ساعات، وأهميته ليس في المدة الزمنية فقط، وهي عامل مهم، بل لأنه سبق لقاء القمة بين روزفلت، وونستون تشرشل، وجوزيف ستالين، لمناقشة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، كأنه يدرك أن أحد مقومات وترتيبات مرحلة ما بعد الحرب الثانية بناء العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية، وهذا التحالف في العلاقات مبني على حاجة الولايات المتحدة أكثر من حاجة السعودية، وهو إحدى ركائز قوة الولايات المتحدة، وبخسرانه تفقد أحد أهم عناصر القوة. قد تجد السعودية البديل للدور الأمريكي ممثلاً في روسيا، والصين، وأوروبا، لكن يصعب على الولايات المتحدة أن تجد حليفاً بأهمية السعودية كأكبر مستثمر في السوق الأمريكي، وأكبر مستورد، ومصدّر.
أهمية هذه الثوابت تعود إلى عمق العلاقات الديبلوماسية التي تعود لعام 1942، هذا التاريخ أسس لعلاقات استراتيجية وتفاهمات مشتركة في العديد من القضايا. وكما الاتفاق، هناك التباين في العلاقات، لكنه تباين لا يؤثر في أسس التحالف بين البلدين. وما يلفت في دور المؤسس واستقلالية القرار السعودي أنه عندما طلب منه أن يقابل حاييم وايزمان رفض هذا الطلب، والموقف التاريخي الذي يسجل للمؤسس موقفه من القضية الفلسطينية، ورفضه لعودة اليهود إلى فلسطين، وقال عليهم أن يعيشوا في البلاد التي أخرجوا منها، وتساءل عن مسؤولية العرب في هجرة اليهود واضطهادهم، هل العرب، أم أوروبا؟ وقال قولته الشهيرة: إن العرب سيختارون الموت على ترك أراضيهم، ورفض ذريعة أن اليهود يخشون العيش في أوروبا. هذا الموقف وهذه السياسة تتكرر اليوم في مواقف المملكة، وإطلاق الملك سلمان على قمة الظهران الأخيرة اسم «قمة القدس» رسالة للرئيس ترامب برفض كل سياسته بنقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بالقدس عاصمة ل»إسرائيل»، كما يرفض صفقة القرن، وأن السعودية لن تفرض، وتتبنى سياسة لا يقبل بها الفلسطينيون. هذه العلاقات الممتدة لأكثر من ثمانين عاماً تخللتها تطورات صعوداً، وهبوطاً، وتتجسد أهمية العلاقات في مستوى الزيارات، وتاريخياً أذكّر بزيارة الأميرين فيصل وخالد للولايات المتحدة قبل توليهما منصب الملك، وكيف استقبلا استقبالاً يليق بدور السعودية. من مظاهر هذه العلاقات أيضاً، الزيارتان اللتان قام بهما ولي العهد السعودي لأمريكا، وفي تعدد اللقاءات ومستوياتها، وتبقى دبلوماسية الهاتف الدائمة بين القيادتين، كما في الاتصال الأخير بين ترامب والملك سلمان لمناقشة مسألة الصحفي جمال خاشقجي، وتصريح ترامب وقوله إن الملك كان جاداً في معاقبة المسؤولين عن الجريمة، هذه العلاقات وهذا البعد التاريخي تؤكد على الثبات، وأن أسس التحالف الاستراتيجي تجعل منها علاقات متميزة وتستمد أهميتها من مكانة السعودية ودورها المحوري في منظومتها الخليجية، والعربية، والإسلامية.

drnagishurrab@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى