قضايا ودراسات

القوة بضعف الغير

عبداللطيف الزبيدي

كيف ينظر النظام العربي إلى «إسرائيل»؟ لا يبدو بصيراً بها، فإدراكه لحقيقة وضعها لا يساوي ذرّة من النظرة الثاقبة التي يراها بها عقلاء مفكريها وخبرائها. هو يشبه في براءة عينيه الجن الذين كانوا حول سليمان، «ما دلّهم على موته إلاّ دابّة الأرض تأكل منسأته»، ولو كان للعرب بصائر حصيفة «ما لبثوا في العذاب المهين». إشارات وتنبيهات، وليت قومنا يعلمون.
«إسرائيل»، منذ أقامها من أقعد العرب، لم يكن لديها شمّ سياسيّ ولا معرفة بفلسفة التاريخ، على الإطلاق. كل ما كانت تمتلكه وفرة معلومات. المعلومات غير المعرفة. ولا شيء أخطر في السياسة من القوة الماديّة المدججّة بالمعلومات، إذا افتقرت إلى المعرفة بطبائع الأشياء، الغاصبة ظلّت ثوراً هائجاً مدمّراً، لكنه ثور. هي سعيدة بقطع الأشجار وإسقاطها، غير أنها لا ترى الغابة العنيدة التي تنمو حولها، فأين تهرب؟
لوضع الدولة المزروعة على المحك، عليك اختبار حدّة شمّها، فتلك الدليل على الذكاء الاستشرافيّ. كانت دائماً منخدعة بضعف ما حولها، دفعها الاغترار إلى الإفراط في الهمجية والعربدة. لا شك في أن الهوان المقصود الذي أصاب القانون الدوليّ والمنظمات العالمية، ساعد الغاصبين على التمادي في سكرة الطغيان. أعمتهم الأقدار وإلاّ لو كانوا يعقلون لقالوا منذ قرار التقسيم: نحن قطرة إزاء بحر العالم العربيّ، فلنسع إلى الحدّ الأدنى من التعايش السلميّ، حتى لا تذهب آمال أجيالنا المقبلة هباء، فمن يضمن أن يبقى الشرق الأوسط في قبضتنا إلى الأبد؟ ماذا لو تلفّتنا فلم نر حماتنا من خلفنا؟ يومئذ يقولون: «لا عاصم اليوم».
وفرة المعلومات، لا الشمّ الذكيّ، هي التي ترينا اليوم الارتباك في العنجهية «الإسرائيلية»، بحثاً عن نفخات أوكسجين، بينما تتحول أكوام ما اقترفته في سبعين عاماً إلى غيوم ثاني أكسيد الكربون. «إسرائيل» كانت دائماً معتمدة على القوة والمعلومات، ولم تفكر في المعرفة فلم ينشأ لديها شمّ للآتي.
لزوم ما يلزم: النتيجة التراجيكوميديّة: مسكين الشرق الأوسط، لا النظام العربي يعرف قدر قدراته، ولا«إسرائيل» تدرك حجمها.
abuzzabaed@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى