قضايا ودراسات

الديمقراطية منتَج راقٍ يستأهل الرقي

د. محمد الصياد

نزعم أن الديمقراطية ليست مبنى، وشخوصاً يتحركون، ويصولون، ويجولون، داخل أروقته. الديمقراطية تحتاج إلى ثقافة، وحضارة مجتمعات راقية تتخذ من الانضباط واحترام الوسط والمحيط، البشري والمادي، قاعدة أساسية لكل ممارساتها.. ثقافة يجب غرس ممارساتها الحضارية والأخلاقية والإنسانية في النشء منذ الصغر، في البيت، وفي المدرسة، وفي العمل، وفي المجتمع المحلي.
من دون تسمية تجربة بعينها، فإننا، إجمالاً، لو أخذنا التجارب العربية في المجالس التمثيلية، وأخضعناها لمعيار تحليل العائد والتكاليف، فسنجد أن القيمة المضافة التي يخلقها معظم هذه المجالس، كي لا نقول السلطات التشريعية، متواضعة للغاية، ولا تستأهل كامل النفقات، والجهود، والأوقات المُهدرة عليها.
مشكلة الديمقراطية في العالم العربي أن مجتمعاته، بما فيها نخبه التي هي أقرب إلى الثقافة منها إلى الفكر (من حيث ضآلة وتواضع تحويل منتوجها الثقافي إلى منتوج فكري حي وفعال)، تختزل الديمقراطية في عملية اختيار المحظوظين من زمرة المتكالبين على نيل أصوات المقترعين، وفي تأديتهم، فيما بعد، لوظيفتهم البرلمانية كأي موظف في إدارة حكومية لدولة نامية لم تتخرج بعد في المرحلة النامية المعادِلة للمرحلة الثانوية، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الدول الصاعدة ، المعادِلة بدورها للمرحلة الجامعية، إذا ما استعرنا تعابير الحقل التعليمي.
لننظر إلى الحوارات السياسية التي تزدحم بها الفضائيات، والمحطات الإذاعية العربية، والأخرى الناطقة بالعربية، وسنجد أنفسنا، في أغلب الأحايين، واقفين مشدوهين أمام مشهد محزن هو أقرب إلى حلبات مبارزة كلامية منه إلى حلقة نقاشية راقية، ممتعة ومفيدة. في هذه الحلبات يحضر الذاتي بقوة، ويغيب الموضوعي بشكل تام تقريباً، مثلما تغيب المعلومة وتحضر التهويمات السطحية غير المؤسسة على معرفة مبدئية بعلم الاقتصاد الذي تنطلق منه السياسة، بكل تشعباتها.
المسألة هي تربوية بالأساس، مناقبياتها تنشأ وتترعرع مع الشخص منذ الصغر، بدءاً بكيفية تعلم احترام قيمة الأشياء واحترام قيمة العمل المبذول في إنتاجها، واحترام القوانين والقواعد والضوابط، ابتداءً من أبسطها في المنزل.. من طريقة التعامل مع المأكل والمشرب، والملبس، ومخلفاتها من قمامة، وزوائد ناتجة عن سوء إدارة وتدبير، إن لم نقل عن استهتار وتبذير استهلاكي مستفز، وليس انتهاءً باحترام الوقت، واختيار أفضل مجالات توظيفه بصورة منتجة، لا بإهداره كيفما اتُّفق، مثلما هو حاصل لدينا اليوم في العالم العربي داخل معظم الأسر العربية تقريباً.
ولذلك فإن ما نميل إلى تسميته اصطلاحاً ب»المواطن الفعَّال»، ضمن معمعان عشوائية إعادة الإنتاج اليومية لما يُفترض أنه إجمالي الناتج المحلي، والتي يُفترض أن توصف بالعملية «التطورية» الجارية، والتنموية بمفهوم الاقتصاد السياسي – يكاد يكون عملة نادرة نعزوها على الأرجح إلى إخفاقاتنا جميعاً، كدول وكمجتمعات في زرع بذور القيم المصنِّعة للمواطن الفعّال ذي الموقف الإيجابي من الحياة، ومن مقوماتها الأساسية، مع أن وجود وفرة ظاهرة في التميز غير الاعتيادي، وسط الأجيال الجديدة الصاعدة، يدلل على وجود إمكانات هائلة لبروز وازدهار مثل هذا «المواطن الفعَّال»، وهي إمكانات كامنة وتائهة وسط هذا الواقع الحافل بديناميات طاردة لاتجاهات وعمليات زرع القيم الإيجابية المنتِجة لهذا المتغيّر التنموي المحوري الشامل.
ولعل هذا هو ما يدعو بعض الأوساط الفكرية الاقتصادية والاجتماعية المهتمة بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية، وبدراسة الجوانب الأنثروبولوجية (علم دراسة البشر وسلوك الإنسان)، والسوسيولوجية، المتصلة بمختلف دورة النشاط اليومية للإنسان العربي- إلى التحفظ على عمليات «نقل وتوطين» هذه التقنية الإدارية المتقدمة، المسماة «ديمقراطية»، إلى البيئة العربية بكل ما تحفل به من طوفان العوامل الطاردة لهذا المنتَج الذي يبدو غريباً على أطباعها، وسجاياها، وذلك برسم التجارب الكاريكاتيرية التي تلزمنا بمتابعة إفرازات قيحها اليومي.

alsayyadm@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى