قضايا ودراسات

«بريكست» أم استفتاء جديد؟

د.غسان العزي

في 23 يونيو2016 صوت البريطانيون بنسبة 51،9% لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست». وبموجب المادة خمسين من معاهدة لشبونة كان على لندن وبروكسل التفاوض حول آلية الخروج ومستقبل العلاقات، وذلك في مهلة لا تزيد على السنتين.
كانت المفاوضات طويلة وصعبة وقد أفضت إلى حلحلة الكثير من العقد، لكنها وصلت إلى طريق مسدود في غير ملف. وبدت رئيسة الوزراء تيريزا ماي ضعيفة، حيال الصقور في حكومتها الذين ما انفكوا يدفعونها إلى التصلب والسعي للمحافظة على القدر الأكبر من المكاسب في العلاقة المستقبلية مع الأوروبيين مع التحرر من الأعباء المترتبة على هذه العلاقة، وهو أمر رفضه المفاوض الأوروبي بعناد. وخلال المفاوضات المضنية اضطرت ماي إلى تقديم المزيد من التنازلات، ما دفع العديد من وزرائها «البريكستيين» إلى معارضتها علناً واستقال ثمانية منهم تباعاً أبرزهم وزير الخارجية بوريس جونسون الذي تحول إلى خصم شرس يريد إسقاطها.
حاولت ماي الإمساك بزمام الأمور، فتقدمت بمشروع اتفاق أخذته على عاتقها لكنه جوبه برفض الأوروبيين والمحافظين في حكومتها، فهي باتت الأضعف في مشهد سياسي يعاني من الانقسام والقلق. شركات كبرى عالمية تستعد للخروج من السيتي لتتوجه صوب باريس وفرانكفورت وروما وغيرها، والمستقبل لا يبدو مطابقاً لتوقعات «البريكستيين» الذين قدموا الكثير من الوعود الواهية، مثلاً شرحوا للبريطانيين بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي ومنطقته الجمركية وسوقه المشتركة يعني حتماً إعادة الحدود بين مقاطعة أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، والتي التزمت لندن إزالتها في إطار معاهدة السلام الموقعة منذ عشرين عاماً والتي وضعت حداً للحرب الأهلية الأيرلندية.
هذا بالتحديد ما يرفضه الاتحاد الأوروبي بشكل قاطع، فأولوية الأولويات بالنسبة إليه هي المحافظة على اتفاقيات السلام ( ستورمونت 1998) التي وضعت حداً لأربعين عاماً من الاضطرابات في أيرلندا الشمالية والتي تقول بأنه لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف عودة الحدود المذكورة.
منذ البداية كلف الأوروبيون وزير الخارجية الفرنسي الأسبق ميشال بارنييه بالتفاوض مع البريطانيين، مع تفويض واضح هو الموافقة على إبقاء المملكة المتحدة قريبة من الاتحاد ولكن من دون أن يكون للطلاق مفاعيل سلبية على السوق الأوروبية المشتركة. بمعنى آخر ينبغي على بارنييه، المحافظة على هذا الإنجاز من خلال قواعده الأساسية الأربع وهي: حرية مرور الأشخاص والسلع والخدمات والرساميل مع محكمة العدل الأوروبية كجهاز وحيد مولج بالفصل في النزاعات المرتبطة باحترام هذه القواعد.
في 29 مارس المقبل سيدخل البريكست حيز التنفيذ، وما من اتفاق يلوح في الأفق بين بروكسل ولندن. وقد راج الكلام حول إمكانية خروج لندن من دون اتفاق (نو ديل) على الرغم من المفاعيل السلبية جداً لذلك على الطرفين في المستقبل. من هنا بدأت الأصوات ترتفع في لندن للمطالبة بالتوجه إلى الشعب مجدداً لسؤاله هل يقبل بالاتفاق (إذا حصل في اللحظة الأخيرة) أو يوافق على «نو ديل» أو يبقى في الاتحاد. حزب العمال ضغط في مؤتمره الأخير في ليفربول على زعيمه جيريمي كوربين للمطالبة باستفتاء جديد. هذا الأخير يتحين الفرصة للانقضاض على السلطة، ففي رأيه أن عجز رئيسة الوزراء عن جمع المحافظين حولها، سيجعلها عاجزة عن تمرير أي اتفاق مع بروكسل ما سيدفعها إلى الإعلان عن انتخابات مبكرة أو استفتاء جديد حول البريكست.
تقول استطلاعات الرأي إن 86% من أعضاء حزب العمال يؤيدون استفتاءً شعبياً جديداً ستكون نتيجته على الأرجح لمصلحة البقاء ( 55%) في مقابل 34% مع البريكست (11% مترددون). لكن المفارقة أن جيريمي كوربين غير المتحمس للاتحاد الأوروبي، يقود حزباً يؤيد البقاء في الاتحاد. وعلى كل حال فالحزب شارك في 20 أكتوبر الماضي، إلى جانب نواب من الأحزاب الرئيسية الأربعة الأخرى، في مظاهرة جمعت 700 ألف شخص أمام برلمان وستمنستر للمطالبة باستفتاء جديد تحت عنوان «ايكست البريكست» أي الخروج من البريكست. عدد كبير من المشاركين في التظاهرة سبق وصوتوا لمصلحة البريكست؛ لكنهم يقولون بأنهم لم يصوتوا لهذه الفوضى وبأن من حقهم تغيير رأيهم. وقد ألقى النائب المحافظ جريف كلمة أمام المتظاهرين قال فيها: «عندما نجد أنفسنا أمام مشكلة بهذا الحجم؛ فالحل الوحيد هو العودة إلى الناخبين لسؤالهم «أهذا حقاً ما تريدونه؟». عمدة لندن صادق خان قال «بأن الذين صوتوا للبريكست لم يتوقعوا خروج الاستثمارات وتقدم البطالة وتراجع دور بريطانيا في العالم. وإزاء صعوبة التوصل إلى اتفاق للخروج فقد بتنا أمام احتمالين: الخروج من دون اتفاق ما يعني خسارة 500 ألف فرصة عمل من هنا للعام 2030، أو التوقيع على اتفاق سيء. لذلك ينبغي إجراء استفتاء شعبي جديد».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى