قضايا ودراسات

صراع على شرقي الفرات

يونس السيد

التصعيد التركي شرقي الفرات يُعيد خلط الأوراق في تلك المنطقة، التي يسعى كل طرف إلى لملمة أوراقه المُتطايرة؛ لحسم المعركة الدائرة هناك لمصلحته؛ باعتبارها منطلقاً للتأثير في التسوية السياسية المفترضة، وحصد ثمار التدخل في الصراع السوري طيلة السنوات الماضية.
في الأصل تتباين أهداف الأطراف المشاركة في الصراع الدائر شرقي الفرات إلى حد التناقض، فبينما تسعى واشنطن إلى تبرير وجودها وبقاء قواتها هناك؛ بمحاربة «داعش»، فيما هي تريد توظيف هذا البقاء بما يُمكنها من لعب دور أساسي في حل الأزمة السورية، يحاول الأكراد بدعم من واشنطن استغلال الفرصة المتاحة لهم في ترسيخ إدارتهم الذاتية، وتطويرها إلى كيان مستقل يمكنهم، على الأقل، من مفاوضة النظام بقوة على تثبيت دعائم كيان شبه ناجز، وإن كان في نهاية المطاف يتبع شكلاً للدولة السورية، وهم لهذا قبلوا بأن يكونوا رأس الحربة في مواجهة «داعش» إلى جانب توفير الحماية الأمريكية من مطامع تركيا، في حين تريد أنقرة توسيع تمددها شمالي سوريا ليشمل شرقي الفرات؛ بذريعة منع الوحدات الكردية من شن عمليات ضدها، وهي مطامع قديمة متجددة، تسعى من خلالها إلى تكريس دورها كلاعب أساسي في الساحة السورية؛ عبر بسط نفوذها على الشمال، ومنع إقامة أي كيان سياسي للأكراد، وجني ثمار تدخلها العسكري والسياسي؛ بأخذ حصتها من الكعكة السورية، والظهور بمظهر اللاعب الإقليمي، الذي يشارك في تقرير مصير المنطقة. وبطبيعة الحال، فإن هناك روسيا والنظام السوري؛ حيث يعملان على استعادة كل الأراضي السورية وإخضاعها لسيطرة دمشق.
وسط كل هذه التناقضات، يأتي التصعيد التركي ضد الأكراد بسقف أعلى بكثير من المتوقع، وصل إلى حد دفع «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن إلى وقف عملياتها العسكرية في لحظة فارقة من الحرب ضد «داعش».
من الواضح أن التصعيد التركي في هذا التوقيت بالذات، والإعلان عن اكتمال الاستعدادات لاجتياح المناطق الكردية شرقي الفرات، بما يتجاوز قضية منبج، التي كانت التصريحات تشير إلى إمكانية بدء تسيير دوريات تركية- أمريكية مشتركة فيها بين لحظة وأخرى، يهدف إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ إذ يبدو أن أنقرة، التي كانت تمسك العصا من منتصفها، قررت ممارسة أقصى قدر من الضغط على واشنطن؛ لدفعها إلى التفاوض، أولاً لإعطائها الضوء الأخضر ضد الأكراد، وثانياً للاعتراف بأولوية التحالف معها(بدلاً من الأكراد)؛ باعتبارها عضواً في حلف «الناتو»، وشريكاً أساسياً في لعب الأدوار الإقليمية، بما يخدم مصلحة الطرفين. بهذا المعنى، تريد أنقرة تكرار سيناريو إدلب؛ حيث استطاعت التوصل إلى اتفاق مع الروس في سوتشي؛ يقضي بسحب السلاح، وإقامة منطقة عازلة بعمق 15 إلى 20 كيلومتراً، ما جنب المنطقة اجتياحاً كان متوقعاً من قبل النظام بدعم روسي.
لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في التناقض الصارخ في الأهداف بين واشنطن وأنقرة بالنسبة لشرقي الفرات، فهل يمكن التوصل إلى صيغة تسوية بين الطرفين أم أن واشنطن ستكبح جماح أنقرة؟، وعندها ستكون الحسابات مختلفة، ولكل حادث حديث.

younis898@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى