قضايا ودراسات

فحص سياسي اقتصادي للغة

عبداللطيف الزبيدي

هل تقلق على مصير العربية؟ هذه هنيهة للتأمل. سنة 1946، نشر البريطاني«جورج أورويل»نصّاً فريداً تحت عنوان: «السياسة واللغة الإنجليزية» قرابة 9000 كلمة، تكفي الاستعاضة عن الإنجليزية بمفردة «العربية». ليت العربية كانت في قمّة الريادة العالمية كلغة أورويل، حتى نكون في مستوى الأدواء. أحوال العربية أهوال.
بلا تمهيد يهجم الكاتب: «حضارتنا عموماً في طريق الانحدار، فلغتنا بهذا المنطق، لا محالة ستهوي مع غيرها». الحديث عن الانحدار غير جديد. فقبل الروائي صدر«تدهور الغرب» للألماني أوسوالد شبنجلر، وبعده بعقود أثار الفيلسوف البريطاني كولن ويلسون ضجة بكتاب «سقوط الحضارة». بعد مشهد الانحدار، الذي يذكّرك بجلمود الصخر يحطّه السيل من علِ، يزلزل سمعك قوله: «انحدار اللغة أسبابه سياسية واقتصادية».
تبدو العبارة هيّنة التفسير والاستيعاب، إذا توقفت العين عندها، سيكون المضمون المعهود هو أن اللغة تقوى بأهلها فإذا ضعفوا تردّت، لأنها لا تعود قادرة على إنتاج العلوم وامتلاك مقاليد التنمية الحضارية. صاحبنا بعيد المرمى، وههنا فليتفكّر العرب المتفكّرون المتدبّرون.
هنا يشهر جورج سيف الهجاء بغتة صادحاً: «تصبح اللغة قبيحة وغير دقيقة، حين يكون تفكيرنا ساذجاً، لكنّ هذا التسيّب يغدو دافعاً قويّاً إلى التفكير بسذاجة». بصراحة، الكاتب استخدم الحماقة أو الغباء، فاشتقنا إلى أحد معاصينا اللغوية، بتدوير الزوايا وإزالة النتوءات. في هذا أيضاً يشبه كلام الأديب شطحات المتصوفين، التي يحتاج فيها التفسير إلى تعبير. خذ المقولة تلك على ظاهرها، وطبّقها على الخطب العصماء وقرارات الجامعة العربية منذ نشأتها، واسأل أيّ عاقل، فإن قال إنه قبض على زئبقها فلا عقل له. كيف صبرت عشرات الملايين طوال عشرات السنين على اجترار ما لا طعم له ولا يسمن ولا يغني من هزال؟ أوَ ليس ذلك دليلاً على أن الأدمغة تدنّى أداؤها، حتى نتجنّب «ملافظ» الجنتلمان. كلامه الذي يشرح الصدر: «إذا تخلصنا من هذه العادات السيئة، استطعنا التفكير بوضوح، وهي الخطوة الضروريّة لإحياء السياسة».
لزوم ما يلزم: النتيجة الكوميدية: أهل اللغة لم ينفعوا اللغة، نأتي بالنظام العربي الفالح الناجح في السياسة والاقتصاد.

abuzzabaed@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى