قضايا ودراسات

خيبة «جوجل» ببرلين

ليونيد بيرشدسكي*

في الوقت الذي تتنافس فيه أكثر من 20 مدينة أمريكية؛ للحصول على حق استضافة المقر الرئيسي الثاني لشركة أمازون العملاقة، فإن مدينة برلين الألمانية رفضت تماماً خطط «جوجل» الهادفة إلى إنشاء مجمع خاص بها في المدينة؛ بعد أن أعرب السكان عن رفضهم التام للمشروع، علاوة على أن المسؤولين فيها لم يبدوا أي حماس للفكرة. هذا الأمر يثبت التفوق الأمريكي؛ عندما يتعلق الأمر بالمشاريع والابتكار؛ لكنه في الوقت ذاته يظهر قوة الأوروبيين في الدفاع عن مدنهم ضد المد الإنساني؛ الهادف لتغيير التركيبة العامة.
في النهاية لا يجب أن ينظر إلى الأمر من هذين الجانبين فقط، فلابد من وجود حل وسط يحفظ لكل الأطراف حقوقها ومكتسباتها. تتلخص القصة في أن «جوجل» قررت قبل عامين بناء مجمع تكنولوجي في برلين؛ بهدف جذب المواهب والأفكار الخلّاقة؛ لكن يبدو أن المكان، الذي قررت «جوجل» بناء المجمع فيه كان خاطئاً تماماً، فالمنطقة المحددة من المدينة تتمتع بمستويات منخفضة نسبياً في الإيجارات، وهي ليست مجرد حي بالنسبة لسكانها؛ بل هو مجمع متكامل.
لا يمكن ل«جوجل» أو لغيرها من الشركات العملاقة اختراق الثقافة السائدة لدى الأوروبيين، الذي يرون في أحيائهم السكنية متنفسهم، الذي لا يمكن أن يتنازلوا عنه مهما كانت المغريات، إضافة إلى قدرتهم وإيمانهم بعدم جدوى أي تغيير يطرأ على تركيبة مجتمعهم بأي طريقة كانت. تمتاز منطقة كروزبيرج بكونها وجهة هادئة للاستجمام للعديد من سكان مدينة برلين الصاخبة، وهو ما جعل رفض مشروع «جوجل» فيها كبيراً، ويتشارك فيه غالبية سكان المدينة.
زرت في السابق هذه المنطقة ببرلين، ولي فيها أصدقاء ومعارف كثر، وأعتقد أنهم يحاولون التوفيق بين تطوير الحي والحفاظ على هويته في آن واحد؛ حيث إن مشروعاً مثل هذا من الممكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الإيجارات، وسيحولها بالتأكيد إلى منطقة مختلفة تماماً خلال سنوات قليلة؛ ولذلك فإنني أتفق معهم إلى حد ما.
ورغم ذلك، أرى أن إدخال بعض التحسينات التي سترتبط بمثل هذه المشروعات أمر إيجابي من زاوية محددة، وهي أنها ستكون وجهة جاذبة أكثر – من منظور الابتكار بطابعه الأمريكي- ولكن سكان الحي يريدون فعلاً الحفاظ على هويته من الضياع، الذي يمكن أن تحدثه مثل هذه المشروعات. الرسالة الواضحة في هذا الأمر هي أن الأموال الطائلة التي تمتلكها «جوجل» لا يمكنها في بعض الأحيان مواجهة الرغبة الشعبية للسكان المحليين في تغيير واقعهم.

*بلومبيرج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى