قضايا ودراسات

متشابهون لكن متفردون

د. حسن مدن

بنو البشر بمقدار ما هم متشابهون، فإنهم متفردون. نحن نشبه بعضنا بعضاً إلى حدود مدهشة، ونحن متفردون إلى حدود مدهشة أيضاً. البشر في كل العالم من حيث هم كائنات لا يختلفون في شيء من وجهة النظر الفيسيولوجية. النوع البشري واحد، وكما لاحظ إشيل وينبرج في مقالة له بهذا الصدد فإن لدينا، كبشر، الأعضاء نفسها: رأس وركبتان وذراعان، يدان ورجلان، أنف وفم وعينان..إلخ.
يمكن لدائرة التشابه هذه أن تتسع حين يدور الحديث عن أمة بعينها من الأمم أو شعب من الشعوب، حيث لا يقتصر التشابه على ما هو فيسيولوجي وإنما يمتد ليشمل الثقافة والعادات والتقاليد وطريقة التصرف، بشكل يسمح لنا بالتمييز بين الأمم لا على أسس تفضيل إحداها على الأخرى وإنما رؤية المختلف في الإطار البشري الكوني الجامع لكل البشر.
التمييز كمصطلح سياسي أو مجتمعي دال له أيضاً حضوره هنا، حيث لا يقتصر الأمر على تعداد التنوع في الثقافات والانتماءات كأن يقال: هؤلاء مثلاً عرب وأولئك فرنسيون أو إنجليز أو أمريكان أو ألمان، وهؤلاء بِيض وأولئك ملونون، وإنما ليحمل هذا التفريق شحنة سلبية، عنصرية أو عرقية وما إلى ذلك من شحنات كان لها، ولا يزال، أكبر الأثر في افتعال الحروب والنزاعات وتأجيجها، وغرس وإشاعة الكراهية والبغضاء لا بين أمة وأمة، وإنما داخل مكونات الأمة الواحدة والمجتمع الواحد.
لكن هذا التمييز بمحموله السلبي لا يحجب حقيقة أن البشر متشابهون، وأن انخراطهم في صراعات ونزاعات ليس سببه أنهم مختلفون، وإنما لأن المصالح التي تتشكل في غمرة الصراع على السلطة والثروة، على المستوى العالمي، وعلى مستوى كل أمة أو مجتمع هي التي تزج بهم في تلك الصراعات التي لا يتورعون فيها عن إشهار السلاح في وجه بعضهم بعضاً وإراقة الدماء.
هذا هو الوجه السلبي للتفرد، إن جاز لنا إطلاق هذا الوصف عليه، فقد لا يكون وصفاً دقيقاً، لكن هناك الوجه الآخر، الإيجابي والخلاق، للتفرد. إن تشابهنا يجب ألا ينفي الحق في التفرد، فكل أمة من الأمم تتطور في سياقات تاريخية وحضارية وثقافية مختلفة، حتى البيئة المختلفة يمكن أن يكون لها دور في تعزيز هذا الاختلاف، فمن ينشأ في الصحراء غير ذاك الذي ينشأ بجوار بحر أو نهر، أو ذاك الذي ينشأ في جبل.
حتى في المجتمع الواحد، يؤدي نفي التفرد إلى الشمولية والتسلط.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى