قضايا ودراسات

أقل من دولة لا يكفي

حافظ البرغوثي

منذ اغتيال اسحق رابين، لم يتطرق الحديث عن إقامة دولة فلسطينية من قبل قادة الاحتلال «الإسرائيلي» إلاّ في عهد إيهود أولمرت. كان الأخير توصل إلى اتفاق تفصيلي غير مكتوب مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس للتسوية، إلاّ أن تفجير قضية الفساد ضده مع نهاية ولاية جورج بوش الابن أفسد التسوية، مع أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس كانت تريد توقيع اتفاق السلام قبل شهر من انتهاء ولاية بوش إلا أن هناك من أقنعها بأن اتفاقاً كهذا لن يعمر إذا فاز حزب آخر، وأكبر المعارضين للتوقيع كانت تسيبي ليفني نائبة أولمرت ومنافسته التي أبلغت الفلسطينيين في حينه أن أولمرت ذاهب وأنها من ستوقع لاحقاً، لكن حزب كديما تراجع وفاز نتنياهو برئاسة الحكومة مذاك.
كان رابين في آخر لقاء له مع الرئيس الراحل أبو عمار، على معبر بيت حانون على تخوم غزة قبل اغتياله قال لأبي عمار «نريد الانفصال عنكم تماما»، فرد أبو عمار «وماذا عن القدس ؟ فقال رابين» ما هو لنا لنا وما هو لكم لكم «في إشارة إلى تقسيم المدينة وفق الرابع من يونيو/‏حزيران 1967. فسأله أبو عمار وماذا عن اللاجئين ؟ فقال رابين سنجد حلاً إنسانياً، فرد أبو عمار«لا، بل نريد حلاً سياسياً «فأجاب رابين» لدينا وقت لمناقشة هذا الأمر لاحقاً».
آخر الدراسات «الإسرائيلية» التي استمرت سنتين، أخذت بعين الاعتبار أن «إسرائيل» تواجه خطرين هما النووي الإيراني والنمو الديموغرافي الفلسطيني. وقالت الدراسة إنه لا يمكن التعامل مع النمو السكاني الفلسطيني وعدم تحول الكيان إلى دولة ثنائية القومية إلاّ بالانفصال عن الفلسطينيين. ويقول المشرف على الدراسة وهو عاموس يادلين رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق، بمشاركة عشرة خبراء وجنرالات سابقين أن هناك فرصة لكي تحقق «إسرائيل» تسوية وفق مصالحها، وأضاف: لقد تم تشكيل هذه الفرصة من قبل السلطة الفلسطينية الضعيفة وفقاً للدراسة، وتخفيف الكراهية تجاه «إسرائيل» في الدول العربية، ووجود إدارة أمريكية ينظر إليها على أنها داعمة ل«إسرائيل». ومع ذلك، حذر يادلين، من أن «نافذة الفرص» يمكن أن تغلق في غضون سنتين إلى ست سنوات، مع انتخاب رئيس أمريكي مختلف أو تحولات جغرافية سياسية أخرى حول العالم، لذا يجب على «إسرائيل» الاستفادة من الوضع الحالي طالما باستطاعتها ذلك.
تتجاهل الدراسة قطاع غزة وتنظر فقط إلى الضفة الغربية. كما أنها لا تعالج قضية مدينة القدس التي ترفض «إسرائيل» التخلي عن أحيائها الشرقية التي يسعى الفلسطينيون لأن تكون عاصمة مستقبلية لهم. وبموجب هذه الدراسة، ستقوم «إسرائيل» بإنشاء «كيان فلسطيني» مجاور تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، يضم 65% من الضفة الغربية. وسيتم منح حوافز اقتصادية كبيرة للسلطة، ويفضل أن تكون من الدول العربية والمجتمع الدولي، من أجل الحفاظ عليها من خلال تحسين حياة الفلسطينيين. وستبقى الكتل الاستيطانية «الإسرائيلية» الكبيرة – تلك الموجودة حول القدس في وسط الضفة الغربية ومستوطنة أرييل في الشمال – جزءاً من «إسرائيل»، وسيستمر البناء هناك دون عائق. غير أن يادلين، قال إنه سيتم وقف البناء في المستوطنات النائية من أجل ترك خيار حل الدولتين مفتوحاً.
وسيحتفظ الجيش «الإسرائيلي» وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، وفق الدراسة بالوصول غير المقيد إلى المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية لمحاربة «الإرهاب» ومنع العنف. كما لن يكون بمقدور الفلسطينيين، امتلاك جيش مستقل أو جيش مهم آخر، وستواصل «إسرائيل» السيطرة على المجال الجوي فوق الضفة الغربية. كما ستحتفظ «إسرائيل» بوجودها في غور الأردن لمنع الفلسطينيين من تهريب الأسلحة عبر الحدود الشرقية.
حول هذا المفهوم، أي أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي يتمحور الموقف «الإسرائيلي» أكاديمياً وعسكرياً وسياسياً، وهذا ما يجاهر به نتنياهو دوماً، أي دويلة منزوعة السيادة. ولعل الموقف الأمريكي يتبنى بطريقة ما هذا المفهوم. وجهة النظر الأمريكية ترمي إلى نسف مبادرة السلام العربية أو تطبيقها بالمقلوب أي التطبيع أولاً ثم البحث عن حل للقضية الفلسطينية. لكن حتى الآن هناك رفض فلسطيني لمثل هذه الرؤية.

hafezbargo@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى