قضايا ودراسات

الشعبوية التفكيكية

فيصل عابدون

التيار الشعبوي الذي يشهد في المرحلة الراهنة موجة من الصعود المستمر هو تيار تفكيكي بامتياز، وليس توحيدياً بأي حال من الأحوال. وتتفق كثير من التحليلات السياسية على أن غلبة الشعبوية في بريطانيا شكلت قوة الدفع التي قادت إلى فوز خيار خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وهو الخيار الذي لا يزال يسبب قلقاً على أكثر من صعيد، وفي أكثر من جهة بسبب تداعياته المحتملة التي قد تؤدي إلى مزيد من الضعف في بنية الاتحاد وإلى تفكك المملكة المتحدة نفسها.
وبسبب هذه القدرة الكامنة للتيار، فليس غريباً أن يحظى بتعاطف وتشجيع معلن وغير معلن من روسيا الخصم الشرقي التقليدي الطموح، باعتبار أن اندفاع الموجة الشعبوية التفكيكية يشكل تهديداً ماثلاً للقيم الغربية بشكل عام وقوة هدم وإضعاف للوحدة الأوروبية وحلفها العسكري «الناتو».
وفي هذا الخصوص يحذر تقرير لحلف شمال الأطلسي من أن موسكو تسعى في الوقت الراهن إلى فتح الثغرات الموجودة حالياً في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وذلك باستخدام مجموعة متنوعة من الأساليب غير الحركية تشمل التجسس والاختراق، والتضليل الإعلامي، والتمويل السري للحركات السياسية المهمة. وغالباً ما يقع اختيارها على الحركات الشعبوية كحلفاء وأدوات تُستخدم لهذا الغرض، نظراً لرفض هذه الحركات للمؤسسات والمعايير القائمة، بل وحتى للمفاهيم الأساسية التي يقوم عليها النظام العالمي الحديث.
وبينما يقلل التقرير من أهمية التهديد الذي يطرحه التيار الشعبوي على الحلف العسكري الغربي، معتبراً أنه لن يشهد انسحابات متكررة للدول الأعضاء بما يقوض الحلف ويهدد بقاءه، فإنه في ذات الوقت يشدد على خطورة مضاعفة يتعرض لها التكتل الأوروبي جراء تمدد الموجة في دول عديدة أعضاء في الاتحاد ووصولها إلى مواقع صنع القرار فيها. كما ينتقد إجراءات التكتل المتباطئة وسياساته العقيمة، خاصة في مجال إنشاء قوة دفاع أوروبية مستقلة، ويقول إنها حولت الاتحاد إلى ضحية للتيار الشعبوي.
ومما لا شك فيه أن مثل هذه التقارير التي تحاول سبر غور الظاهرة واحتواء تأثيراتها، لن تنجح في طمأنة الكيانات التقليدية القائمة في أوروبا والدول الغربية بشكل عام. فالتيار القومي هو تيار تفكيكي ليس على نطاق المنظمات والتحالفات والالتزامات المشتركة، ولكن حتى في إطار الدولة الواحدة. والمشهد الذي يتكرر أمامنا هو تزايد المطالب الانفصالية في بريطانيا بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من تزايد الحديث عن غلبة التيار القومي في الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة إلا أنه بالإمكان الملاحظة بوضوح الفروق الظاهرة في ملامح القوميين الأمريكيين واتجاهاتهم وأهدافهم بالمقارنة مع تيار الشعبويين الأوروبيين. وهي فروق جوهرية تتيح للقوميين الأمريكيين المرونة الكافية للتساوق مع السياسات والقيم الراسخة مع الحفاظ على نزعة التجديد. بينما تجعل تيار القوميين الأوروبيين أسيراً لنزعات الغضب غير المتبصر والساعي للهدم دون خريطة واضحة للبناء البديل. وعلى الرغم من التفاصيل التي تحكم اللعبة على الجانبين، فإن روسيا تقف بقوة إلى جانب الشعبويين سعياً وراء القوة وإضعاف الخصوم.

Shiraz982003@yahoo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى