قضايا ودراسات

البصمة والمدفأة المتوهجة

عبدالله الهدية الشحي

وضع ماك جريجور أحد أنصار المدرسة السلوكية، نظرية المدفأة المتوهجة وقد أخرج من نظريته هذه، عدداً من الأسس لتطبيق العقاب على المخالفين والمتجاوزين للأنظمة والقوانين، في بيئات العمل وغيرها، فالمدفأة بتوهجها مرئية وواضحة وهذا ما يجب أن يكون عليه حال الأنظمة والقوانين، من حيث التعريف بها ووضوح بنودها لدى كل العاملين، وهي مؤلمة ورادعة وفورية العقاب، فلا تؤجله، ولا تترك مجالاً للتبرير، وللأخذ والعطاء كون واقع توهجها يدل على العلم، بنوع ومستوى عقابها مسبقاً، وما على المخالف إلاّ القبول به، فقد أعذر من أنذر وهي عادلة في حال وقوع عقابها، فتعاقب على قدر وقت اللمس دون نقصان أو زيادة، وفي حال تكرار المخالفة تكرر عقابها تحت مبدأ وإن عدتم عدنا، وهي أيضاً لا تميّز بين الأشخاص، فلا تفرق بين مدير وموظف، وبين مبدع وتقليدي، ونشيط وكسول، وصاحب ظاهرة صوتية وصاحب منجز، وبين أنماط الشخصيات العملية والتعبيرية والتحليلية والودية بصنوفها المختلفة، فالكل سواسية في العقاب حال ارتكاب المخالفة، وعلى قدر تحمل الألم يأتي الصراخ، ولكن حين لا يجدي الصوت مهما كان مستواه.
تطبق أغلب جهات العمل الحكومية، إن لم يكن جميعها، نظام الحضور والانصراف بواسطة جهاز البصمة الإلكتروني، وهي تكاد أن تلامس بنظامها هذا نظام المدفأة في عقاب المتأخرين عن الدوام، وكثيري الخروج والمتسرّبين، إلا أنها لا تحقق المأمول منها، بدرجة تامة في حال التحايل عليها، من قبل قلة من العاملين هنا وهناك، بمختلف سلم درجاتهم الوظيفية، في جهات العمل التي يسودها نوع من التسيب وعدم المتابعة، فكم من مسؤول أنيط به مسؤولية إدارة جهة خدمية، نراه بين الفينة والأخرى خارج بيئة عمله، يحتسي القهوة في أحد المراكز ويلتقط لنفسه الصور، ويعرضها بواسطة وسائل التواصل دون أدنى مسؤولية تجاه عمله، فهو في نظام البصمة قد باشر عمله مبكراً، وهو إن رجع من قضاء حوائجه، وأنهى جلسته مع أصحابه، يعود إلى عمله ليبصم بصمة الخروج متأخراً، ليثبت نظام البصمة المعتمد والموثوق فيه، بأنه المسؤول المثالي فهو المضحي بوقته لصالح عمله، بعد انتهاء موعد الدوام وهو المستمر بعد الدوام بإنجاز المهمات ومتابعة كل شاردة وواردة في العمل، وهو المخطط لغد عمله بوقت إضافي، لا يتقاضى مقابله مالاً ولا تقديراً، والحال ذاته ينطبق على أولئك الموظفين الذين لا يعيرون أهمية لدوامهم وللمسؤولية الملقاة على عاتقهم، حيث يحدث أن نزور جهة ما، لنرى كرسي هذا الموظف أو ذاك خاوياً على عروشه يئن من الوحدة، ويشتكي تكرار فراق صاحبه، الذي يثبت نظام البصمة بأنه لم يخرج من عمله أبداً، بل إنه من أوائل الحضور وآخر المغادرين، يحدث كل هذا حين لا يقوم المسؤول الأعلى بتفقد مكاتب وزارته وفروعها، وحين لا يقوم المديرون بمتابعة هيئاتهم أو مؤسساتهم وحين لا تتم إعادة هيكلة الوظائف في ظل وجود بعض البطالة المقنّعة، ويحدث هذا حين لا يقوم نظام البصمة بدور نظام المدفأة المتوهجة، وإن كان ليس من العدل معاقبة الصغير كالكبير، حيث تتحقق في العقوبة المساواة لا العدل.

aaa_alhadiya@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى