قضايا ودراسات

الدبلوماسية الروسية

فيصل عابدون

المبادرة التي أطلقتها الحكومة الروسية لاستضافة محادثات سلام في أفغانستان هي الثانية من نوعها خلال أشهر قليلة، وهي تكشف من بين أشياء أخرى عديدة، تعافي السلطات الروسية من الجروح والكدمات الناجمة عما كان يعرف بالغزو السوفييتي لأفغانستان والهزيمة المهينة التي انتهى بها التدخل العسكري والتي يقول محللون إنها كانت البداية الحقيقية لتفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار منظومته.
ويؤكد دخول روسيا إلى الملعب الافغاني مجدداً، استعادة للدبلوماسية الروسية ثقتها وطاقاتها واستعدادها للتدخل عبر وسائل القوة الناعمة هذه المرة في محاولة لإعادة الاستقرار الى الدولة الجارة، بعدما فشلت في السابق في فرض الاستقرار بالقوة العسكرية. كما أن مقاربة روسيا الجديدة تشكل دليلاً إضافياً على تنامي طموحات دبلوماسيتها على التمدد في مناطق النفوذ القديمة من أجل استعادتها وإبعاد المخاطر عن نطاقها الحيوي الذي يتهدده الوجود العسكري الأمريكي والأطلسي واسع النطاق.
وتكشف التقارير الإحصائية أن لدى روسيا شبكة دبلوماسية عملاقة تغطي أكثر من 145 دولة. وعلى الرغم من صعوبة التوصل إلى الرقم الصحيح لحجم البعثات الدبلوماسية الروسية في الخارج إلا أن الترجيحات تشير إلى عدة آلاف من الموظفين الدبلوماسيين في السفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية في الخارج. ولا يشمل هذا الرقم عناصر المخابرات والعملاء السريين الذين يعملون خارج محيط البعثات الدبلوماسية الرسمية في جميع أنحاء العالم.
وفي العادة، وكما حدث من قبل في مسألة أوكرانيا وفي النزاع السوري، فإن الدبلوماسية الروسية تتحرك جنباً إلى جنب مع القوة العسكرية وهي تفرض وجودها وتقوم باستكمال الجوانب السياسية بعد أن تقوم مدافع الطائرات والبوارج الحربية بتهيئة التربة وتطويع الخصوم. وقد حققت هذه الاستراتيجية نجاحاً استثنائياً خاصة في سوريا. فقد أصبحت روسيا هي الضامن للأطراف المحلية المشاركة في الصراع وباتت منصاتها التفاوضية هي البديل المقبول للمؤسسات الدولية. لكن ذلك حدث بعدما تكفلت القوة العسكرية بسحق مقاومة المجموعات المسلحة وخنقها في مواقعها المختلفة دون أن تترك لها خيارات غير الاستسلام أو الانخراط في العملية السلمية بالشروط الموضوعة.
هذا المزيج من القوة الناعمة والقوة الخشنة لن ينجح في أفغانستان. لقد جربته موسكو من قبل وكانت نتائجه كارثية. لكن الدبلوماسية الروسية تملك فرصة الدخول عبر ثغرة حركة طالبان المتمردة، خصمها السابق العنيد، والاستفادة من شكوكه العميقة ومشاعر العداء التي يكنها للوجود العسكري الغربي والأمريكي بشكل خاص، كي تطرح نفسها طرفاً محايداً ولاعباً رئيسياً في جهود الحل السياسي للأزمة الأفغانية. صحيح أن الولايات المتحدة هي الطرف الموجود على الأرض وهي تقوم بطرح مبادرات لجمع الفرقاء على طاولة مفاوضات تشرف عليها بشكل حصري.
غير أن الصحيح أيضا أن تلك المبادرات لم تحقق نتائج حتى الآن وما زالت الحرب مستمرة وتحصد الضحايا وتزعزع استقرار الدول المجاورة. وبينما يبدو واضحا أن قيادة الناتو والقيادة الأمريكية ترى في التحركات الروسية الجديدة على الساحة الأفغانية منافسا غير مرغوب فيه، فإن الدبلوماسية الروسية تجد نفسها في موقف مريح للعمل والاستقطاب الإيجابي، وذلك بسبب الجوار الجغرافي مع أفغانستان على عكس القوات الأجنبية القادمة من وراء البحار وأيضاً على خلفية التأثيرات الجيوسياسية المحتملة عليها جراء استمرار النزاع العسكري، وفشل الحلفاء في التوصل الى حلول لا نهائية.

Shiraz982003@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى