قضايا ودراسات

الملهاة الديمقراطية العربية

د. محمد الصياد

تعتبر علاقة الدول العربية بالديمقراطية، كأداة إدارة كلية مجتمعية ابتدعتها الحضارة الانسانية منذ ما قبل التاريخ، لاسيما الحضارة الإغريقية في القرون الستة ما قبل الميلاد – تعتبر علاقة طارئة وحديثة الى حد بعيد. وهي علاقة لا تتسم بالود على الإطلاق، إذ بقيت تعاني النبذ من طرفي معادلتها، الدولة القومية العربية التي نشأت بعد الاستقلالات الوطنية، ومجتمعاتها التي لم تكد تهضم الانتقالة النوعية لحالة الدولة القومية المستقلة حتى دوهمت باستحقاقات نوعية المقاربات المطروحة لإدارتها، ومنها تلك الأصوات اليتيمة «المتشردة» المطالِبة بالمقاربة الديمقراطية.
ومنعاً للاستغراق في استقصاء أسباب هذا النفور، المزدوج إن شئتم (من قبل الدولة القومية ومجتمعاتها)، من هذا «المنتَج» (بفتح التاء) السلعي، التنظيمي، والسلوكي الجمعي «الجديد»، سوف نسارع للدخول في وقائع إشكالية هذا الموضوع التي ربما ألقت بعض الضوء على الحالة التي نميل الى توصيفها بالملهاة، في اتصالها بتجارب الممارسة الديمقراطية في عالمنا العربي.
لابد لنا أولاً أن نُقر بإحدى خواص الممارسة الديمقراطية في العالم العربي، وهي تلك المتمثلة في انطوائها على هامش حرية اختيارية يسمح للفرد «الحر» (أو «الرجل الحر»، كما وصفه القانون الروماني القديم) بأن يختار ويقرر، بإرادته الحرة، الجهة التي يمنحها صوته الانتخابي. فهذا مكسب دستوري متوفر، نظرياً على الأقل، في كافة الدول العربية التي تعتمد الديمقراطية أداةً من أدوات إدارتها للدولة والمجتمع والثروات الواقعة ضمن حدودها الإقليمية المعترف بها دولياً.
هذه ناحية، أما في الناحية الأخرى، وهي المتعلقة بالسؤال عما إذا كان الفرد العربي الذي منحه الدستور حق التصرف في تحديد وإعطاء صوته الانتخابي لمن يشاء، فلعلنا نزعم هنا تحديداً، بأن ما نميل الى توصيفه ب«الملهاة الديمقراطية»، هو ما يسم ويميز الممارسة الديمقراطية العربية بحالتها الراهنة. فعبثاً تفتش عن الفرد الحر، فأنت لن تجد له أثراً حيثما يُفترض أن يكون، أي داخل الإطار الذي رسمته الدساتير والقوانين المنظمة لسير عمل الممارسة الديمقراطية. فمثل هذا «الفرد الحر»، الذي يعتبر وجوده، شرطاً جوهرياً وحاسماً للحكم على سلامة الممارسة الديمقراطية من عدمها والتقرير بشأنها – قد «وهب» إرادته، بل سلَّم نفسه بكليتها إما الى طائفته أو الى قبيلته أو الى جهويته أو الى حاضنته العرقية «النانو» (المتناهية الصغر)، قياسا بهويته الأرحب والأكثر قيمةً وتمثيلاً حضارياً وحداثياً.
بهذا المعنى، فإن «الملهاة الديمقراطية» العربية إنما هي تتجسد في ذلكم النوع من التواطؤ غير المخطط له، وغير المقصود، الواقع بين حائزي مِلكية الأصوات الانتخابية (فرادى وجماعات) وبين شطر مؤثر من ماكينة عمل أجهزة الدولة، ابتغاءً للحفاظ على كينونة وسيرورة الحياة الرتيبة لعملية إعادة الإنتاج البسيطة، وليست التراكمية الموسعة (بتعبير الاقتصاد السياسي)، وبما يضمن ويؤمن الإبقاء على السياقات العامة لمصالح أطرافها. وكشفاً لحقيقة الصورة، سنحيلكم هاهنا الى نموذجين اثنين فقط بوسعهما النهوض مثاليين حيين. وهما النموذج العراقي والنموذج اللبناني. في العراق يندفع بعض حائزي الأصوات (غير الأحرار في هذه الحالة) لاختيار رموز الجهل والفساد لتمثيلهم برلمانياً، فيفشل هؤلاء، كما هو محتَّم، ومع ذلك يقوم طوفان الدهماء بإعادة الكرة أربع مرات منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003. فتخرج الدهماء عن طورها وتشق جيوبها وتحرق الأخضر واليابس احتجاجاً على الكارثة التي صنعتها هي بأيديها. ولكن هيهات أن تنكسر وتعود الى رشدها، إذ تأبى إلا أن تعود لتشرب من جديد من إكسير فتاوى المرجعيات وتعيد انتخاب نفس الوجوه بحفز من انغلاقها المريض على طائفيتها. ولا يختلف الوضع في لبنان عنه في العراق الا في الشكل فقط. فهنا أيضا تتواطأ دهماء العصبيات الطائفية مع نخبتها الأرستقراطية القابضة على أصول الدولة ومؤسساتها، في تأمين الاستدامة لنظام البطريركية السياسية الذي وضع أساسه المستعمر الفرنسي بالتوافق مع البيوتات الإقطاعية التي تتوزع بين الطوائف الدينية والمذهبية اللبنانية. هي إذاً نفس الملهاة الممسرحة التي يُفترض، كما هو معمول به في الفن المسرحي، أن تعالج مواضيع هزليّة، لولا أن معناها الذي نحن بصدده ينصرف أيضا، حتى في صورته الهزلية، الى معناها الآخر الموازي، وهو الإلهاء..إلهاء الجميع عن القيام بواجباتهم الحقيقية.

alsayyadm@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى