قضايا ودراسات

ما يفعله العاطلون عن العمل

د. حسن مدن

لنا أن نتخيل ما الذي يحدث لكاتب كرّس حياته كلها للكتابة، بحيث إنه لا يحسن أن يؤدي عملاً آخر سواها، فيجد نفسه، إما لتقدم العمر أو لأي طارئ صحي غير متوقع، وقد بات عاجزاً عن الكتابة.
نعلم أن نجيب محفوظ في مراحل عمره المتأخرة، حين أصبح متعذراً عليه أن يمسك بالورقة والقلم ليكتب، لجأ إلى أن يقصّ أحلامه على مساعد له، ليدوِّنها، وقد صدر هذا التدوين في كتاب.
جرى لجون بول سارتر، ما جرى لخورخي بوليس بورخيس، حين فقد أي سارتر، على عتبة السبعين من عمره أو ما بعدها بصره، أو أوشك على فقدانه، وبالتالي لم يعد بوسعه أن يكتب، كما اعتاد على مدار عقود متواصلة.
كانت تلك تجربة مؤثرة ومثيرة تحدث عنها سارتر نفسه في حديث صحفي أُجري معه. الحق أن سارتر فقد الإبصار بالعين اليمنى وهو في الثالثة من عمره، لكن مع تقدم العمر تلاشت قدرة العين اليسرى على الإبصار، فلم يعد قادراً على القراءة والكتابة، أو كما شرح الأمر هو نفسه: «يمكنني الكتابة، بمعنى أنني أشكّل الكلمات بيدي، لكنني لا أستطيع رؤية ما كتبته».
بالنسبة للقراءة يقول سارتر فدعها جانباً. أرى الأسطر والمسافات التي بينها، لكنني لا أميز الكلمات. وبدون القدرة على الكتابة والقراءة، فقدت إمكانية أن أكون كاتباً فاعلاً. إن عملي ككاتب قد انتهى.
لحظة محزنة تلك التي يبلغها الكاتب حين يشعر أن عمله قد انتهى، خاصة بعد أن يبلغ حد اليقين بأنه لا سبيل للتغلب على ذلك، فالأطباء الذين استشارهم سارتر أبلغوه بوضوح ألاَّ علاج لحالته، رغم شعوره بأن هناك الكثير داخله مما يريد كتابته، هو الذي اعتاد أن يراجع ما كتبه نحو خمس أو ست مرات على ما قال، كان خلالها يعيد كتابة النص الذي يعمل عليه.
الصحفي الذي أجرى الحوار مع سارتر، سأله بعد سماع كل ذلك: هل تشعر بأنك عاطل عن العمل؟
طبعاً سيحضر في ذهننا ما قاله محمود درويش بعد ذلك بسنوات طويلة: «نفعل ما يفعل السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل، نربي الأمل». لكن سارتر لم يكن قد أخذ بهذه النصيحة؛ ربما لأن أوانها قد فات. فرّد على السؤال بالإيجاب قائلاً: «كانت الكتابة هي الهدف الوحيد في حياتي، ولأنها أصبحت مستحيلة، فإني أشعر أن النشاط الحقيقي للفكر قد أخمد».

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى