قضايا ودراسات

معركة السبسي والشاهد

صادق ناشر

المعركة السياسية الدائرة بين الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ورئيس حكومته يوسف الشاهد، تخفي صراعاً ظل صامتاً لفترة طويلة، لكن هذا الصمت لم يصمد كثيراً فخرج إلى العلن بعد أن أقدم الأخير على تعديل في حكومته من دون التشاور مع رئيس البلاد، الذي يتوجب دستورياً أن يطلع على أي إجراء يمس شؤون الدولة، وبضمنها بالطبع الحكومة، لكن الشاهد لم يمنح السبسي حتى هذا الحق عندما فاجأه بالتغيير في طاقم حكومته، ما استفز الرئيس فأعلن عدم رضاه عن الخطوة، عبر ذلك بالقول: «أنا رئيس الدولة وعلى الشاهد احترام موقعي»، لكنه عاد بعد أيام ورضخ للأمر الواقع، وأكد أنه سيقبل بالتعديل، شرط أن يوافق عليه البرلمان.
بعد موقف السبسي أعلن البرلمان أنه سيعقد جلسة، تقرر لها يوم غد الاثنين للمصادقة على التعديل الذي اتخذه الشاهد، وهي خطوة عكست انقساماً في المؤسسات الدستورية الثلاث، لكنها في نهاية المطاف وضعت حداً لخلاف قانوني وسياسي ودستوري رافق التعديل، حيث وصفه السبسي ب«المتسرّع والمباغت»؛ فيما اعتبره كثيرون «قلة احترام من قبل رئيس الحكومة لرئيس البلاد وخرقاً للدستور».
انقسام المجتمع السياسي التونسي بين رئيس الدولة ورئيس حكومته، يعد تحصيل حاصل نتيجة للتوتر القائم بين الرئاستين، خاصة أن حزب «نداء تونس»، الذي ينتمي إليه الرجلان انقسم هو الآخر بينهما، توج بإقدام الحزب على تجميد عضوية رئيس الحكومة في تجسيد لصراع طويل ومرير بين الشاهد وحافظ السبسي، نجل الرئيس، والأخير يبدو أنه ممسك بزمام أمور الحزب التنظيمية، ما جعل الحزب عرضة للتشظي بعد أن أعلن عدد من أعضائه الاستقالة منه والانضمام إلى الكتلة التي شكلها الشاهد، وبالتالي فقد «نداء تونس» الأغلبية التي كان يتمتع بها في البرلمان والحكومة معاً، وشكل ضربة قاصمة للسبسي ونجله.
وحسب المعطيات الواردة من تونس، فإن الشاهد سيتجاوز اختبار البرلمان ويحصل على موافقته على التعديلات المقترحة، خاصة أنه يحظى بتأييد كتل كبيرة، أو ما تسمى «الحزام البرلماني المساند للحكومة»، وأهمها بالطبع حركة النهضة، التي تمتلك 68 مقعداً وكتلة «الائتلاف الوطني» ولديها 35 مقعداً، وكتلة «مشروع تونس» المنضمّة حديثاً للحكومة بواقع 14 مقعداً، بالإضافة إلى عدد من المستقلين، الذين يؤيدون موقف رئيس الحكومة، ما يعني أن المعركة الدستورية ستحسم لصالح الشاهد، لكن الأزمة لن تنتهي هنا، بل ستمتد حتى الانتخابات المقررة العام المقبل، وحتى ذلك الحين لا أحد يعلم الطريقة التي سيتعامل بها الرئيس مع حكومة فُرضت عليه فرضاً، وهل يعني ذلك بذور أزمة إضافية في البلاد قد تأتي بحركة النهضة إلى السلطة مجدداً، أم أن المجتمع التونسي المتمدن سيقول كلمته الفصل في المعركة الدائرة بين مؤسساته الدستورية ونخبه السياسية؟ هذا ما سيؤول إليه مسار الصراع في الأشهر المقبلة.

Sadeqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى