قضايا ودراسات

مأزق نظام الاقتصاد الحر

كمال الجزولي

انقضت، حتَّى الآن، زهاء السنوات العشر على اندلاع الأزمة الماليَّة العالميَّة خلال العقد الأوَّل من الألفيَّة. ولئن لم تكن تلك الأزمة هي الأولى في تاريخ الأسواق الحرة، فإن المضحك المبكي فيها، بوجه عام، هو التَّزايد المفاجئ في مبيعات كتاب كارل ماركس «رأس المال»، حتَّى لقد تداولت الصّحف ووكالات الأنباء صورة الرَّئيس الأمريكي، آنذاك، باراك أوباما، وهو يتصفح نسخته من الكتاب! أما المضحك المبكي، بوجه خاص، فهو حال المفكر الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما، من جهة، وحال طابور «الاقتصاديِّين!» الذين تبعوا أوهامه، من جهة أخرى! فلقد سارع الرَّجل، لا يلوي على شيء، فور انهيار حائط برلين وانهيار تجربة البناء الاشتراكي على النَّمط الستاليني، أواخر ثمانينات ومطالع تسعينات القرن المنصرم، لإصدار كتابه «نهاية التَّاريخ وخاتم البشر» الذي تطوَّع، من خلاله، ب «إعلان» نتيجة التَّنافس بين الاشتراكيَّة والرَّأسماليَّة، معتبراً أن النصر قد حالف الأخيرة.. مرَّة وللأبد! أما الآخرون فقد صدَّقوا، أو أنهم، بالأحرى، كانوا مستعدِّين، أصلاً، لأن يُصدِّقوا تلك «النّبوءة»، كونها صادفت هوى «إيديولوجيَّاً» لديهم!.
لقد اشترى أولئك «ترام فوكوياما!» ذاك، طوعاً واختياراً وعن طيب خاطر، وفيهم تنفيذيّون وسياسيّون محترفون وأساتذة جامعات، قبل أن يقرَّ مفكرون رأسماليّون، بعد أقلِّ من عقد، بأنه «ترام» معطوب!، لكن أسوأهم حظاً من كان مسؤولاً عن سياسات بلاده الاقتصاديَّة، بالتزامن مع الضجيج الذي أثاره كتاب فوكوياما والمروِّجون له!، فقد دفعهم الحماس لأفكاره الأساسيَّة، خصوصاً في بلدان العالم الثَّالث الفقيرة، إلى أكثر السِّياسات الماليَّة والاقتصاديَّة قسوة، حسب روشتَّات البنك وصندوق النَّقد الدَّوليَّين، حتَّى في العالم الرَّأسمالي نفسه، سوى ما أضحى يُعرف ب «التاتشريَّة»، و«الرِّيجانيَّة»، و«مدرسة شيكاغو»، مع الفارق الحضاري بالطبع، وهي السِّياسات والتَّوجّهات التي ما انفكَّت تعلن كفَّ يدها، نهائيَّاً، عن رعاية العمال والفقراء، انصياعاً للرّوشتات التي ظلَّ يصْدِرها البنك والصندوق في بلدان ترزح أغلب قطاعاتها الاقتصاديَّة في أوضاع ما قبل الرَّأسماليَّة، بينما «رأسماليَّاتها»، تفتقر إلى أبسط الطاقات المبدعة التي وسمت صعود الطبقات الثرية في معظم بلدان الغرب الصِّناعيَّة، قبل أن ينقلب هذان البنك والصّندوق ينوحان على ما آلت إليه أحوال الطبقات والفئات والشَّرائح الاجتماعيَّة الضَّعيفة، و«يتملصان»، بالواضح، من أيّ مسؤوليَّة عن ذلك، ويعلنان، بالصَّوت العالي، أن حكومات البلدان المعنيَّة هي التي ألزمت نفسها بتلك الشروط، ربَّما على طريقة «لزوم ما لا يلزم»، في حين ينبغي عليها أن تعود السِّيرة الأولى لدولة العالم الثالث المتحرِّرة، لتوِّها، من الاستعمار، والراعية للصّحَّة، والتَّعليم، ودعم قوت الشَّعب!.
لم يكن مستبعداً، إطلاقاً، أن تنجح سياسة الاسواق الحرة في الخروج من الأزمة الأخيرة ، مثلما فعلت في العديد من أزماتها، وأشهرها أزمات 1929م، و1975م، و1987م، و2001م. لكن أصحاب ذوي الدخل المحدود في هذه البلدان، وبالأخص في الولايات المتَّحدة، سوف تضغط على حكوماتها، إما على النظر بشيء من الجِّديَّة، في جدوى مناهج التَّخطيط الاقتصادي، وتدخّل الدولة، بقدر أكبر من الرعاية لمواطنيها، سعياً للَّتخفيف من حدَّة الأزمات المتوقَّعة، بما قد يمدّ في أيامها عهوداً أخرى، أو.. انتظار الطوفان! فهذه الكتل الاجتماعيَّة ما انفكَّت، حتَّى قبل أن تقرقع سنابك الأزمة الأخيرة بما يقرب من العقدين من الزَّمن، ترفع راية «العداء للرَّأسماليَّة»، يدعمها في ذلك مفكروها، وفنَّانوها، وأدباؤها، وقيادات قواها السِّياسيَّة، والنِّقابيَّة، ومنظمات مجتمعاتها المدنيَّة.
ولأن هذه الحركة مرشَّحة للتَّصاعد، لا للانحسار، تحت الظرف الجديد بالأخص، فسوف يجد نِّظام الاقتصاد الحر العالمي نفسه مجبراً، بالقطع، على إعادة النظر في خططه القديمة، وعلى رأسها الحروب، وتجارة السِّلاح، والمضاربة في البورصات، وتصدير الرَّساميل إلى بلدان الموارد والأيدي العاملة الرَّخيصة، بمنأى عن صرخات مئات الملايين من الجوعى في شتى أرجاء الكرة الأرضيَّة!

kgizouli@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى