قضايا ودراسات

أفلاطون والموسيقى المصرية

عبداللطيف الزبيدي

هل غيّر أفلاطون نظرته إلى الموسيقى المصريّة؟ الفيلسوف غائب، فحجته معه. السؤال السهل: كم فنّاناً مصرياً سمعوا بما قاله في فن قدمائهم؟ إذا كانوا لا يعرفون فذلك خبر أسود؛ لأن الموسيقى المصرية اليوم، تقع عليها تبعات هبوط الفن العربي.
كإطار، يقول أفلاطون: «تنطوي الموسيقى على كل خصائص التربية»، ويذهب إلى بعيد: «جمال الموسيقى يتجلى في جمال الفضيلة نفسها، الذي يوحي بها». يرى أننا «نستطيع أن نعرف ميول الناس من خلال الموسيقى التي يحبّونها أو التي يمتدحونها». مقولته التالية تبرهن على أن المثل الفنيّ الأعلى كان عند الأهرام: «الدولة التي تحكمها قوانين جيّدة، لا تترك في أيدي من هبّ ودبّ قواعد التربية الموسيقية. إنها تنظمها مثلما يفعل المصريون، حيث النشء الجديد يتربى على طلب الأكمل، في اللحن والإيقاع وشكل المقام».
النظام الموسيقي لديه، جذوره مصرية. ربطه بين الموسيقى والفضيلة، يحتاج إلى معرفة بتاريخ موسيقى هبة النيل القديمة، فقد كان هذا الفن لديهم يحظى بمكانة علويّة، فانتقلت تلك القيم إلى اليونان ومنها إلى أوروبا، فنشأت الموسيقى في أماكن روحيّة، من الإنشاد الجريجوري إلى مكتبة «الموسيقى المقدسة»، إلى باخ وسائر روائع الموسيقى الكلاسيكية.
للأسف، حدثت عثرات في تاريخ الموسيقى العربية، ففي العصرين الأموي والعباسي والأندلسي، جرفت سلوكيات اجتماعية سلبيّة، الموسيقى إلى بيئة ماديّة لا علاقة لها بالمعنويات. للقلم تحليله الخاص لمتتاليات السلبيات: البيئة الموسيقية الماديّة ذات الغزل الاستهلاكيّ، احتاجت إلى كلمات تُجسد الغرائز؛ لذلك لم تستطع الموسيقى التحرر من الكلام، فلم ينشأ مفهوم للفن الخالص، وظلت لعنة الهبوط، تلاحق الوسط الموسيقي حتى حقبة من القرن العشرين. لكي نعود إلى الدماغ الفلسفي اليونانيّ الفذّ، على كل من يحلم بعالم عربي ترتقي فيه الموسيقى إلى آفاق العقل والروح، أن يردّد هذه المقولة الأفلاطونيّة، حتى يهجر الكرى جفنه إلى ألف صباح: «إذا أردت السيطرة على شعب، فابدأ بالسيطرة على موسيقاه». صادق وربّ الكعبة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التشكيكية: كأن قائل المقولة برنارد لويس أو هنري كيسنجر.

abuzzabaed@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى