قضايا ودراسات

التسرع في إبداء الرأي خطر يحيق بالصحافة

عائشة عبدالله تريم

تأتينا الأنباء اليوم عاجلة، وكأنها تحث الخطى لتدرك كلَّ المشاهدين والمستمعين بسرعة هائلة لم يعرف لها العالم مثيلاً من قبل. ولقد بات معروفاً أن الأخبار التي تتدفق عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، تفتقد في كثير من الأحيان إلى القيم الصحفية الأساسية؛ أخبار سريعة ومقتضبة، هذا هو المطلوب اليوم، بغض النظر عن الحاجة إلى المصداقية والنزاهة.
ولقد ركب القارئ موجة هذا التحول، فبات مستهلِكاً يسعى للحصول على المعلومات ليكون مجرد عدد زائد في إحصائية المشتركين أو المتابعين.
ها هي المعلومة تحترق على نار السرعة، فتتحول إلى رماد تذرّه وسائل الإعلام في عيون المتلقي، معتمدة على موقد أعدَّه لها العالم الرقمي، الذي أصبح الوسيلة الوحيدة التي تضمن استمرارية مؤسسة إعلامية وبقاءها على قيد الحياة.
وهكذا اضطرت الصحافة إلى قبول الواقع ولو كان جمراً، فقدمت العديد من التنازلات؛ كي ترضي الجمهور الذي بات يضغط عليها بقسوة. ووسط هذا التحول الكبير، تغيرت ملامح الصحافة، ولم تنفع معها العمليات التجميلية فأصابها تشوه حاولت أن تموِّهه بابتسامة مصطنعة لترضي رغبات قراء لا تنتهي، لهم هويتهم الخاصة في عالم الإنترنت.
بدأت التنازلات في صياغة الأخبار وإعدادها، ولم يكد عالم الصحافة يتكيف مع النظام الجديد ذي الطابع السريع، حتى وجد نفسه في خضم متطلبات متنوعة، وجمهور يقول:
«هل من مزيد؟»
ووجدت الصحافة، تلك المهنة النبيلة نفسها بين فكّين ذوَي أنياب حادة وبارزة، فلم تعد تتغاضى عن الخبر، بل تعدته إلى تجاوز الآراء المتضاربة والمجحفة.. فلدى حدوث أزمة كبيرة، أو وقوع صراع أو ظهور قضية بارزة على وسائل التواصل الاجتماعي، يتسابق المحللون في إبداء آرائهم وانتقاداتهم بسرعة فائقة، ليقال إن فلاناً هو أول من نظر في المشكلة ووجد حلولاً واقتراحات لها. وخلال المعركة القائمة بين الحقائق والإحصاءات وسرعة نشر الخبر، ينتصر الفريق الأول، لكن ذلك لا يحدث إلا بعد مقاومة شرسة تتعثر فيها الآراء، وتتشابك وقد تتفكك في كثير من الأحيان.
وكما هي الحال مع القصص الإخبارية، تتدفق المعلومات على شكل موجات، وتتلاحق النتائج والأفعال، وتُطهى الآراء في مطبخ السرعة على عجل كما يُطهى الخبر، فترى الكاتب يتخلى عن جوانب أساسية في موضوعه؛ ليواكب السرعة المطلوبة. وبالسرعة ذاتها، تظهر آراء جديدة تدحض الآراء السابقة بمجرد ظهور حقائق إضافية عن القضية موضوع البحث.
وكي لا يقع الناقد، أو أي شخص يعبر عن رأيه، في المحظور، وكي لا يخرج مهزوماً من المعركة بين الصح والخطأ، عليه ألاّ يبدي رأياً انفعالياً غير مبني على أبحاث وغير مدروس بتبصر وتمحص.
وتشبه الآراء غير المتسرعة وذات المغزى والتأثير، عملاً فنياً متقناً ومستوحى مما يحدث في العالم. والفن المتقن لا بد يحتاج إلى وقت وتفكير مطول بتحويل الفكرة إلى شيء مجسد؛ لذا يجب أن يترك كاتب الرأي بينه وبين الموضوع الذي سيخوض فيه مسافة كافية كي لا ينقلب خائباً حين تغوص آراؤه في الوحل العام، وكي لا تُدحض حجته وتُرمى استنتاجاته في سلة المهملات.
هناك كتب كثيرة منشورة تتضمن مقالات يتناول فيها الكاتب موضوعات مختلفة وآراء خاصة حول قضايا معينة. وعلى سبيل المثال، أثبتت مقالات تشارلز ديكنز الصحفية التي نشرت في منتصف القرن التاسع عشر، قوتها واستمراريتها، فقد استطاعت أن تصمد أمام عواصف الزمن؛ لأنها كانت شاملة تطرق فيها الكاتب إلى آفاق تجاوزت أحداث الحقبة التي خُطَّت فيها. وهنا لا بد من التفكير في ردم الفجوة التي يشكلها إبداء رأي متسرع بين الكاتب والقراء على امتداد السنين، بحيث لا تكون الآراء أحادية القطب، بمعنى أن تفقد مع الوقت قوتها الجاذبة وقيمتها.
ولأنه لا يمكن اليوم غض النظر عن السرعة الفائقة التي يتحرك فيها الخبر ما بين المصدر والقارئ، فلا بد من التريث عند كتابة مادة صحفية تتناول موضوعاً مهماً، فقد يسيء كاتب الرأي إلى نفسه وإلى قرائه، حين يحاول أن يرضي إلحاح الجمهور، مقدماً سرعة النشر على جودة التحليل.
وفي هذا الزمن الصاخب إعلامياً، والذي باتت فيه الآراء والمشاركات في قضية ما مثل دبيب النمل، على الكاتب الذي يحترم ذاته، وإذا كان يريد أن يحافظ على مستواه الفكري وعلى التفاف قرائه حوله، ألّا يتسرع في نشر مقالة له فيها رأي قد يُلغى بمجرد ظهور رأي آخر يدحضه.
يقول الشاعر الإنجليزي ماثيو أرنولد في هذا الصدد: «الصحافة أدب مستعجل». وبغض النظر عن اندفاع العالم مع رياح السرعة، يبقى احترام مهنة الصحافة واجباً علينا.
aysha_t@gulftoday.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى