قضايا ودراسات

باليرمو.. للاستقطاب أم للتفاوض؟

فيصل عابدون

انتهى مؤتمر باليرمو من نقطة بدايته، ولم يكن أكثر من محاولة إيطالية لمنافسة المبادرة الفرنسية التي سبقتها من دون أن تحقق نجاحاً يذكر في الوصول إلى اتفاق سياسي لإنهاء الفوضى في ليبيا. ويقول المراقبون إن ما حدث في باليرمو لم يكن أكثر من حدث دبلوماسي لم يسفر عن نتائج مفيدة.
واجه المؤتمر منذ بدايته تعثراً وانقسامات، بداية بمقاطعة قائد الجيش المشير خليفة حفتر أحد أهم الأطراف الفاعلة، وقادت مشاركة جماعات يعتبرها حفتر متطرفة وذات ولاءات خارجية إلى استبعاد تركيا من جلسات اليوم الأول ما أدى إلى انسحاب الوفد التركي من الاجتماعات.
وقبل كل ذلك سجل غالبية الزعماء الذين وجهت إليهم الدعوة غياباً عن الحضور وكان رئيس الوزراء الإيطالي يتوقع مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين بالإضافة إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وكان من شأن وجود هؤلاء القادة أن يمنح الاجتماع وزناً دولياً وربما يدفع الأطراف إلى الموافقة على مقترحات تصبح وثيقة سياسية للحل بضمانات دولية. لكن أياً من هؤلاء لم يحضر. كما أن الأمر الأشد إيلاماً أن تمثيل الدول الكبرى كان متدنياً. بينما كان مستوى حضور الجوار الليبي على مستوى الزعماء.
اعترف رئيس الحكومة الإيطالية جوزيه كونتي في نهاية الاجتماعات بتواضع النتائج التي تم التوصل إليها، وقال في معرض تبريره للفشل إن إيطاليا لم تزعم أبداً أن المؤتمر الذي قامت بتنظيمه سيضع حلاً للأزمة في ليبيا وأن الحل يجب أن يترك بالكامل في أيدي الليبيين.
ومن مضمون الاعتراف الذي تقرأ بين سطوره خيبة أمل المسؤول الإيطالي، يبرز سؤال حول ماهية الدوافع التي حدت بإيطاليا إلى الدعوة إلى مؤتمر جديد لإنهاء أزمة قديمة فشلت كل المحاولات السابقة في ترتيب أجزائها؟ وأيضاً هل تتحرك إيطاليا من حكمة معينة في عقد الاجتماعات بمدينة باليرمو في هذا التوقيت بالذات؟ وهل تتعلق الدعوة للقمة حول ليبيا بدفع مفاوضات للسلام أم بتسجيل موقف يعزز الدور الإيطالي في أي ترتيبات مستقبلية ربما تتولاها دول أخرى كبرى أو إقليمية؟ أم أن الحدث بأكمله يجيء في إطار موازنة ومسابقة المبادرة الفرنسية التي جمعت بين رئيس الحكومة المؤقتة فايز السراج وقائد الجيش خليفة حفتر، والتي لم تحقق نجاحاً يذكر على أي حال؟
لم يكن غياب القادة الكبار مقصوداً للإساءة إلى إيطاليا أو رئيس حكومتها، ولكن توقيت اجتماعات باليرمو لم يكن ملائماً، كانت أجندة الزعماء محتشدة بفعاليات أخرى عديدة وأكثر أهمية بالنسبة لمصالح دولهم، وبالنسبة لصورة زعامتهم الشخصية.
كما أن اجتماعات باليرمو، من ناحية أخرى، جاءت في وقت طرح فيه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة رؤيته لمؤتمر دستوري في ليبيا يتخذ فيه الليبيون القرارات الضرورية لتحقيق المصالحة والتدامج الوطني وإنهاء النزاع، على أن يتوج ذلك بانتخابات عامة ورئاسية في مرحلة لاحقة. هذه خريطة الطريق التي تطرحها الأمم المتحدة لحل الأزمة، وهي الهيئة الدولية المكلفة بحل النزاعات وطرح الحلول وفرضها وتقديم الضمانات اللازمة. أما غير ذلك من الخطط والمبادرات التي تتقاطع مع هذه الخطة فلن تنجو من الشكوك باعتبارها منصات للاستقطاب السياسي.

Shiraz982003@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى