قضايا ودراسات

خواطر في الاعتذار الحضاري

عبداللطيف الزبيدي

هل ينطبق السلوك الغريزيّ الفرديّ على الحضارات؟ مسألة فيها نظر، فالأفراد هم الذين يصنعونها، بالتالي يطبعونها بشيمهم فتغلب عليها طبائعهم. السلوك الغريزيّ قديم، فالإقصاء والإلغاء من هذه الزاوية خارجان عن نطاق التحليل الفكريّ.
لنقل إن النرجسيّة وحبّ الذات والاستئثار، سمات فيها إيجابيات أيضاً إذا طبعت سلوك أمّة، فهي تحفز الإبداع. لكن القلم سيطرح القضية من الزاوية السلبية، ويلقي باللائمة على المؤرخين. أغلب الظن أن المثقفين في العالم الإسلاميّ، يستثيرهم مؤرخو الحضارات الغربيون، حين يمرّون من الحضارة اليونانية مباشرة إلى عصر النهضة الأوروبية، متجاهلين، في أكثريتهم، قرون الحضارة الإسلامية وعطاياها السخيّة في العلوم والمعارف والفنون، وكأن ثقباً أسود عملاقاً ابتلع الحضارة الإنسانية طوال سبعة قرون تقريباً. لا ننكر وجود أهل النزاهة والعرفان بالجميل، لكن الجحود والنكران كانا الغالبين.
هنا نحتاج إلى التحلّي بشهامة الاعتراف بأن قدماءنا، مؤرخين وأدباء، ساروا على نهج إهمال فضل الآخرين، مثلما حاول الكثير من مؤرخي الغرب إسدال ستار النسيان على عظمة دور الحضارة الإسلامية. كيف تبخرت عشرة قرون من الآداب واللغة والفلسفة والفنون والعلوم الآرامية السريانية؟ ثمّة أسئلة لا تخلو من السخرية وإن كانت أعمق من عميقة. مثلاً: لقد لعب الكتّاب والمترجمون السريان دوراً حاسماً تاريخيّاً، في نقل العلوم والمعارف اليونانية وغيرها إلى العربية، فكيف اتفق أن «ازدروا» تراثهم فكراً وفنّاً، ولم ينقلوه غزيراً ثرّاً إلى لغتنا؟ ألم يجدوا شيئاً له قيمة إبداعية أو فيه حكمة في أعمال ألف سنة ؟ سل أيّ مثقف عربيّ عن الفلاسفة السريان، عن شعرهم ونثرهم، عن فنونهم، بل لا تسأله وسله عن لغتهم وتاريخهم وعلاقة «لِشان» هم بلساننا. بأيّ مفهوم حضاريّ سادت الآرامية السريانية من حدود الصين إلى تخوم أوروبا؟ أقرب مساحة إلى هذه هي خريطة العالم الإسلامي حين كان إمبراطورية من ثغور الصين إلى الأندلس.
لزوم ما يلزم:النتيجة المتنبّوية: «لقد رأيتُ قبيحاً أن يُجاد لنا..وأننا بقضاء الحق بُخّالُ».

abuzzabaed@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى