قضايا ودراسات

الاحتماء بالوعر والانكشاف في المدارج

د. نسيم الخوري
في القفز من فراغ إلى آخر، وفي انتظارات السياسيين اللبنانيين المغالين في مواقفهم، يمكنني تذكّر الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب ينشد لبغداد تحت المطر في بيروت: «فراغ زمان بلادي فراغ».
نعم الفراغ في لبنان إدمان سياسي متلاحق دوّار من فراغ رئاسي إلى فراغ حكومي إلى فراغ برلماني في قوانين الانتخابات وأصول التعيينات وفهم المتغيرات.
يمكن الجهر: لا تنتظروا الغرب أو العرب الأشقّاء، على تلوّنهم وعشقهم للبنان، وحنينهم إليكم من الحرّ الزاحف، لأن يعيدوا جمعكم منصهرين في الجغرافيا وفي العقل وفي التاريخ.
إنّها المعضلات التي تتحرّك في القعر؟ لكن مهما كانت وعورة الخطاب ودرجاته الفائرة اليوم في الحدّة والمغالاة والمعاني والمخاطر، ومهما تبدّلت وتلوّنت تحالفات أصحابه وحامليه من السياسيين والإعلاميين، فإنّه خطاب تائه يأتي على أنقاض التفكيك الحاصل في بنى 8 و14 آذار، يشوّه صورة لبنان الوطن العاصي على الإصلاح أو على التغيير، لكنه يوسّع الهوّة مع الأجيال الجديدة ولو كان لبنان منتظراً فوق مدارج ما يحاك لمن حولنا.
فالخروج من الاحتماء بالوعورة أو الانكشاف من المدارج يجعل الوطن عرضة دائمة للمعضلات.
ماذا نعني؟ نعني أنّ حنيناً نرجسيّاً يتحكّم ببعض السياسيين وتطلّعاتهم إلى لبنان ما قبل لبنان الكبير 1920. تلك البقعة الوعرة التي اختزنت الأقليّات الطائفية عبر التاريخ، وفي رأسها المسيحيون وتحديداً الموارنة. كان هؤلاء يتحصّنون بالمرتفعات الوعرة، ويفترشون الصخور والكهوف، ويتلذذون بشظف العيش والتحاف القساوة، وهو ما منحهم قدراً لافتاً من عشق الحريّة البريّة وديمقراطية الطبيعة بالمعنى البدائي للكلمة كما منحهم عطفاً غربيّاً.
تكفي قراءة تاريخ لبنان في العصر الوسيط، أي في الفترة الممتدة بين الفتح الإسلامي والفتوحات العثمانية أي بين القرنين التاسع والخامس عشر ليدرك معاني تلك الوعورة، وأساليبها، وفشل الحملات العسكرية على تطويعها، في زمن كانت تلك القوى في الشرق البيزنطي، وقبل أن يكون هناك غرب، بالمعنى الحديث السياسي للكلمة. والواقع أن اللبنانيين لم يحوّلوا أنظارهم من الشرق إلى الغرب، إلاّ عندما سقطت تركيا مريضة في فراشها وتقاسم أراضيها الإمبراطورية.
وبالعودة إلى لبنان القلق، قد تكون حوادث 1860 الطائفية المحطّة الدموية الأولى التي أثخنت أجساد اللبنانيين في الجبل، وتركت ندوباً، وكأنها لم تيبس فوق شفاه اللبنانيين وفي أجسادهم. كان يصعب كسر شوكة الجبل بسبب ندرة الطرقات نحو التلال، وشراسة المكان والسكان، وبدائية الأسلحة التي كانت تستخدم من عشرات الطامعين بالجبل تدلّعها القوى الغريبة المتنوعة. هكذا بقي الجبل النواة الصلبة العاصية التي كان يصعب الوصول إليها، بهدف تطويعها وكسرها وربّما طحنها من قبل الغزاة. لقد أوجدت تلك النواة اختزاناً لاعتداد طائفي وسياسي واجتماعي واضح لدى أهل الجبل، وخصوصاً الموارنة منهم. وقد أكسبهم ذلك الاعتداد ترسيخ الحكم والتمايز والقوة والتعالي والجاه لمجموعة من العائلات والباكوات والإقطاعيات التي تحكّمت بالتلال وبالعامة من اللبنانيين الذين اكتفوا بميزة التشبّث بالأرض وحراثتها حتّى بعدما تحوّلت جنائن خضراء وقصوراً رائعة.
وجاء الفرنسي في العام 1920 ليضمّ بعض الولايات إلى جسد الجبل الصخري، مثل بيروت وصيدا وطرابلس المنفتحة على المتوسط والأقضية الأربعة في ما بعد الوثيقة الارتباط بالضرع السوري، وهذه كلّها شكّلت دولة لبنان الكبير الذي أعلنته باريس بالتعاون مع بكركي.
بقي هذا الضم حبراً على ورق الخرائط الجغرافية إذ لم يتمكن الجبليون من الانخراط في الامتداد البحري أو في السهل بالمعنى الاجتماعي والسياسي والثقافي للكلمة كما لم يشعر أهالي المناطق المضمومة بانتسابهم الفعلي إلى الدولة اللبنانية. وبمعنى أوضح لم يتمكن أهل الجبل، بالرغم من انفتاحهم الواسع على الغرب، من بسط سلطانهم على مدن السواحل والأراضي الواطئة من الوطن اللبناني. وهذا يعني أيضاً أن سكان الأطراف، نسبةً إلى الجبل، أي مجمل السنة والشيعة والأرثوذكس والكاثوليك والأقليات الباقية أو التي انقرض منها الكثير، لم يشاركوا وما تمّ خرطهم بحكامهم من أهل الجبل سوى كاختلاط الزيت بالماء، وهو اختلاط كان يتوهم الناظر إليه بأنّه مشابه لاختلاط السكّر بالماء، وهنا لبّ الإشكالية في البنية اللبنانية المعقّدة حتى اليوم. والسبب أنه اختلاط لم يترك تداخلاً كبيراً في النسيج الاجتماعي والعادات والتقاليد بقدر ما هو اختلاط ناتج عن الحركة الدائمة والاهتزازات الكثيرة والرياح العاصفة التي ما انفكّت تعصف بلبنان من الخارج، وتجعله جسداً جاهزاً دوماً لتلقّف الحرائق والحروب والتهديد بها.
هذا الوطن يشابه قطعةً من «البازل» اللعبة الميسرة لأولادنا ولجيوبنا بحيث تبدو سهلة الاقتناء ودائمة التفكيك والتركيب. وفقاً لهذا التوصيف البسيط، يمكن قراءة كلّ التحالفات والمشاريع والأوراق الداخلية والخارجية التوحيدية والتقسيمية والفيدرالية والكونفيدرالية التي عادت تطفو على السطح بخفّة وطنية هائلة.
ماذا تغيّر وماذا أصلح؟ لم يعد الجبل جبلاً بل صار مدناً بطرقه وسهولة الوصول إليه، وباتت الجغرافيات الطائفية متشابهة في العمران ووسائل المواصلات، وبعدما عصفت الكشوفات في ميادين الأسلحة والأجهزة الإعلامية التي طوّعت الجغرافيات المستحيلة، صار من المستحيل الاستمرار بتركيب جغرافيا متطورة جدّاً فوق عقولٍ وأحلام ثابتة منقوشة بصلابة التاريخ والجغرافيا.
لقد تمّ تطويع الجبل للسهل وانهارت الوعورة في وجه المدن العارية اللبنانية، ولم يتمّ تطويع العاطفة السياسية للعقل. فالسلطة والتشبث بها مسألة أقسى من الصخور.
أكرّر: لا يجوز انتظار العواصم العربية الشقيقة، لأن تعيد جمعكم بلداً منصهراً في الجغرافيا وفي العقل وفي التاريخ؟
يكفي قراءة النصوص المنشورة والسريّة للكثير من سياسيي لبنان والتي أعقبت اتفاق الدوحة وقبله مناخ مشابه لمؤتمر سان كلو وقبلهما مؤتمر الطائف ولوزان ليرفع الحبر والجواب أصابعه العشر صارخاً:
إنّه المرض المستحيل!Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى