قضايا ودراسات

الصين المثابرة

فيصل عابدون

تطرح الصين نفسها على مسرح السياسة الإفريقية واللاتينية شريكاً أساسياً وداعماً سخياً لا غنى عنه. فمشروعاتها في إنشاء البنى التحتية واقتسام فوائد المشروعات الاقتصادية العملاقة، أكثر عدالة وإنصافاً من النظراء الغربيين. علاوة على زهدها عن التدخل في شؤون الدول الشريكة أو فرض أجندتها السياسية والثقافية على النحو الذي تفعله الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشكل خاص. فالسياسة الخارجية الصينية تقوم على مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. وأصبحت عبارة هذه «مسألة داخلية» هي أكثر العبارات رواجاً على لسان الدبلوماسية الصينية فيما يتصل بالأزمات والنزاعات الداخلية في الدول النامية وخاصة إفريقيا والمنطقة اللاتينية.
وتضفي سياسات السخاء والإنصاف والنأي عن التدخل وفرض الإرادات، جاذبية وحوافز إضافية على التمسك بالوجود الصيني في إفريقيا والدول الأخرى. ومن أجل إثبات ذلك تبنى الرئيس الصيني خلال القمة الصينية – الإفريقية في سبتمبر الماضي، «اللاءات الخمس» في علاقتها بإفريقيا، فلا تتدخل في سعي الدول الإفريقية نحو مسارات التنمية التي تناسب ظروفها الوطنية، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية، ولا تفرض الإرادة الصينية على تلك الدول، ولا تضع قيود سياسية في ما يتعلق بالمساعدات، ولا تسعى نحو تحقيق مكاسب سياسية أنانية في مجال الاستثمار والتمويل.
وأعلن الرئيس الصيني تشي جين بينج في ختام القمة تخصيص 60 مليار دولار لدول إفريقيا على شكل مساعدات حكومية، وقروض ميسرة واستثمارات وتمويلات من جانب مؤسسات مالية وشركات صينية. ومن أحدث مؤشرات نجاح هذه الاستراتيجية الأرقام الإحصائية التي تؤكد أن الشركات الصينية باتت تدير 12 في المئة من إجمالي الإنتاج الصناعي في إفريقيا، وتسيطر على 50 في المئة من سوق مشتريات الخدمات الهندسية لتطوير البنية التحتية في دول القارة.
هناك مبررات بالطبع للسياسة الصينية المثابرة وطويلة النفس في إفريقيا وبقية الدول النامية بشكل عام، فالصين تطرح نفسها هنا بديلاً يملك نموذجاً مختلفاً للتعاون عن النموذج الغربي الذي يملك تاريخاً طويل الأمد في المنطقة. وهي تحتاج إلى الحصول على الطاقة والمعادن والأسواق لمنتجاتها الصناعية، بينما تميل كثير من الدول النامية للثقة في معاملاتها مع دولة ليس لها ماض استعماري.
على أية حال فإن مظهر دولة السيد المثالي النبيل شديد التهذيب ليست هي النموذج الوحيد للدبلوماسية الصينية. فهذه الصورة سرعان ما تختفي عندما يتعلق الأمر بحماية مناطق النفوذ التقليدي، مفسحة الطريق أمام سلوك عدائي لا حدود له، وخشونة تصل حد العنف والقمع واستعراض العضلات والتهديد بالحرب. فالصين تتحرك بنفاذ صبر وعنفوان لا يعرف التراخي أو التساهل إزاء النزعات الاستقلالية لتايوان وطموحات الدول الصغيرة في البحرين الجنوبي والشرقي وإزاء الوجود العسكري لحلف الناتو والقوات الأمريكية.
والتهديدات الصينية سواء الموجهة إلى القيادة الاستقلالية التايوانية والدول الشاطئية على البحرين الجنوبي والشرقي أو تلك الموجهة للولايات المتحدة، ليست عبارات جوفاء أو تهديدات فارغة. فالصين التي بلغ حجم إنفاقها العسكري أكثر من 200 مليار دولار في العام مستمرة في إضافة المئات من المقاتلات المتطورة، وتصنيع الغواصات الجديدة والفرقاطات والمدمرات، وتحديث وتوسيع ترسانتها النووية الاستراتيجية، ونشر مئات الصواريخ الجديدة.

Shiraz982003@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى