قضايا ودراسات

السبسي و«النهضة»

صادق ناشر
معركة سياسية تلك التي باتت تهدد الدولة والمجتمع المدني التونسي بالانقسام، بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس الباجي قائد السبسي ضد حركة النهضة، التي قال إنها هددته شخصياً على خلفية اللقاء الذي جمعه مع أعضاء هيئة الدفاع عن ملف اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، والذي تتهم الحركة بالوقوف وراء اغتيالهما عبر جهاز سري تابع لها، قائلاً إن القضاء هو الذي سيفصل في موضوع الجهاز، الذي بات العالم كله على علم به.
كان السبسي يتحدث في اجتماع لمجلس الأمن القومي، عندما أشار إلى أن التهديدات التي أطلقتها «النهضة» ضده لن يسمح بها، وأنه لن يترك لها المجال لتفعل ما تشاء، وأنه لن يمتنع عن استقبال أي طرف يريد مقابلته بصفته رئيساً لكل التونسيين، لكن الأهم في تصريحات السبسي إشارته إلى أن «الأدلة التي تحوزها هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي والتي تدين النهضة معقولة ولا يمكن التغاضي عنها»، مؤكداً أن الهيئة أمدته ب «مجلد من الوثائق ذات علاقة بما يعرف بالجهاز السري لحركة النهضة»، ما يعني أن الرجل مقتنع بما تحت أيدي السلطات القضائية من أدلة تثبت تورط الحركة في عمليات الاغتيال التي هزت تونس عام 2013، عندما كانت في السلطة.
ويبدو أن قضية الجهاز السري، قدَّم حركة النهضة إلى المواطن التونسي باعتبارها مذنبة ومتورطة في عمليات الاغتيالات للنشطاء السياسيين، وهذا يعني تراجع شعبيتها التي راكمتها خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الأمر الذي أحدث ارتباكاً في طريقة تعاطي الحركة مع هذه التطورات.
إذا ثبتت إدانة «النهضة»، بامتلاكها جهازاً سرياً موازياً للدولة، سيعني أن الحركة تقدم نفسها حركة مسلحة ودموية، وأن النموذج التونسي للحركات الإسلامية، باعتباره الأفضل بين نماذج جماعة الإخوان المسلمين في أكثر من بلد، مثل مصر وليبيا واليمن، سيصبح محل شك، وستضطر معه الحركة إلى تغيير خطها الفكري ومفهومها للعمل السياسي المتقدم الذي تعيشه تونس، باعتبار أن المجتمع المدني فيها حي وقادر على التعاطي مع التحولات بشكل أفضل من بقية البلدان العربية التي ضربتها الاحتجاجات الشعبية منذ عام 2010، ودخلت معها فوضى شاملة، كما هو حاصل اليوم في اليمن وليبيا وسوريا.
سيكون المجتمع التونسي عرضة لهزة عنيفة في حال تمت إدانة حركة النهضة في قضية الجهاز السري الموازي، لأن الجهاز الذي أنشأته الحركة متهم باختراق مؤسسات الدولة والانخراط في علاقات خارجية مشبوهة تعمل ضد أمن ومصلحة البلاد، وهي تهم من شأنها أن تقضي على المستقبل السياسي للحركة، التي تعمل جاهدة لمحو الصورة السلبية عن الحركات الإسلامية التي أخفقت في تقديم نموذج إيجابي في البلدان التي حكمتها خلال السنوات القليلة الماضية.

Sadeqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى