قضايا ودراسات

«مدرسة شيكاغو» والاستثمار في الكوارث

حسام ميرو

روّج الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش لنظرية «نشر الحرية في المناطق المضطربة»، وكانت أحداث 11 سبتمبر/‏ أيلول 2001 مناسبة مهمة لإطلاق تلك النظرية، وهي فعلياً النظرية المستمدّة من «مدرسة شيكاغو» للاقتصاد، وعرابها الأشهر ميلتون فريدمان، الذي نظّر لاستغلال الكوارث والأزمات والانقلابات من أجل نشر «الحرية الاقتصادية»، والتي تعني من وجهة نظر فريدمان ومدرسته الاقتصادية خصخصة كل مؤسسات الدولة، والقضاء على الرعاية الاجتماعية، وعدم التدخل في السوق، والسماح للشركات العالمية العمل بحرية في أي مكان في العالم، من دون حواجز.
كان العراق أحد النماذج الأوضح لتطبيقات نظرية فريدمان وتلامذته، وهم من تصفهم نعومي كلاين، مؤلفة كتاب «عقيدة الصدمة، بأنهم«صبيان مدرسة شيكاغو»، ففي الوقت الذي لم يستفق فيه العراقيون بعد من صدمة ضربات الاحتلال، وانتشار القوات الأمريكية في شوارع عاصمتهم بغداد، في ذلك الوقت المبكر، حلّت الإدارة الأمريكية الجيش العراقي، وبدأت بخصخصة قطاعات الدولة، والتي كانت تضم ملايين العمال والموظفين، وحولتهم إلى عاطلين عن العمل، ومنحت الشركات الأمريكية والأجنبية، بموجب قوانين بول بريمر، الحاكم الأمريكي، امتيازات واسعة في الاستثمار، ومن ضمنها بالطبع إعفاءات ضريبية هائلة، وكان من بين النتائج بعيدة المدى، تدمير الاقتصاد العراقي، ومؤسسات القطاع العام.
ليس الاقتصاد وحده هو شاغل صبيان «مدرسة شيكاغو»، بل أيضاً الذاكرة الجماعية، وما تتضّمنه من مشتركات بين الشعب الواحد، فتلك المدرسة وأتباعها يرون أن التاريخ من شأنه أن يقف حجر عثرة أمام تطوير بيئة اقتصادية جديدة، نظراً لما يحمله من قيم، تتناقض مع قيم الاقتصاد المعولم، وثقافة الاستهلاك، وهو ما يفسر الكثير من الظواهر، ومن بينها سماح القوات الأمريكية لعصابات نهب الآثار بسرقة مقتنيات المتاحف العراقية، حيث كانت الدبابات الأمريكية، والمدججة بالجنود، وبأقوى أنواع الأسلحة، تقف على مقربة من المتحف الوطني العراقي، من دون أن تردع تلك العصابات من سرقته، فالمطلوب هو بلد بلا ذاكرة، يمكن فتحه أمام ثقافة جديدة، تتناسب مع رؤى«مدرسة شيكاغو»، وتلامذتها المنتشرين في صندوق البنك الدولي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وغيرها من المؤسسات المالية العالمية، والمسؤولة عن كوارث هائلة في عدد من بلدان العالم، في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
إن ما يجري في الشرق الأوسط منذ سنوات، وانتشار حالة الفوضى في عدد من الدول، يشكل فرصة للنيوليبرالية الجديدة، ممثلة بتلاميذ«مدرسة شيكاغو»، من أجل هندسة الشرق الأوسط، بما يتناسب مع سياسة السوق العالمية، وانتشار الشركات العابرة للجنسيات، لجني أرباح طائلة.
إن حالة الاضطراب والهلع التي تخلقها الكوارث هي الحالة الأنسب للنيوليبرالية من أجل القيام بتغييرات جذرية، وليس مهمّاً بالنسبة لمنظري النيوليبرالية الجديدة، من صبيان«مدرسة شيكاغو»، أكانت تلك الكوارث طبيعية، مثل الزلازل والفيضانات والبراكين، أو من صنع البشر، مثل الحروب الأهلية، أو الانقلابات.
كما استثمرت «مدرسة شيكاغو» في انقلاب تشيلي، وفي بوليفيا، وبولندا، والأرجنتين، وغيرها من الدول، التي كانت مصابة بحروب داخلية، أو اضطرابات داخلية، حيث إن المبدأ الحاكم لفلسفة النيوليبرالية الجديدة يتلخّص في الاستفادة من الكوارث، وتحويلها إلى فرص.
إن الندوات وورش العمل الدولية حول البلدان العربية المضطربة (سوريا، ليبيا، اليمن) تتناول، إلى جانب الحلول السياسية المقترحة، سبل إعادة الإعمار، وإعداد الخرائط والدراسات حول قطاعاته المختلفة، مثل الطاقة، والبنى التحتية، والنقل، والتعليم، والصحة، وغيرها، حتى أن بعض تلك الورش ترعاها شركات عالمية، عابرة للقارات والجنسيات، والتي تجهّز نفسها للخوض في مغامرة بناء اقتصادات ما بعد الحروب.
يحق لنا أن نسأل بجرأة، وليس انطلاقاً من نظرية المؤامرة، ما الدور الذي قامت فيه الدول الكبرى والشركات العابرة للجنسيات في الفوضى التي لحقت ببعض الدول العربية، وكيف أسهم تدخلها تارة، وعدم تدخلها تارة أخرى، في استمرار الاقتتال والفوضى، ومنع الحلول السياسية؟
ربما، كان علينا، ونحن نقرأ تاريخ السنوات السابقة، ألا نهمل دور صبيان «مدرسة شيكاغو» في منع إطفاء الكوارث التي لحقت بدولنا ومجتمعاتنا، فهم يحترمون الأسواق أكثر من الأوطان، والزبائن أكثر من المواطنين.

husammiro@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى