قضايا ودراسات

قمة بلا توافقات

مفتاح شعيب

أنهت قمة مجموعة العشرين أعمالها في الأرجنتين دون أن تدرك التوافق المأمول حول قضايا بالغة الحساسية مثل التجارة العالمية والهجرة واتفاق المناخ،ومن دون أن يغفل بيانها الختامي التوصيات المألوفة المتعلقة بسد الفجوة بين الجنسين والإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الفساد، وهي تعهدات مكررة وحضورها كغيابها، بسبب الخلافات الدولية الواضحة والتباين الشديد بين زعماء الدول الكبرى.
الاستنتاج الأولي لما أفرزته القمة يشير إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون أحسن مما سبقتها، فالحروب التجارية المفتوحة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية ستستمر في حركتها التصاعدية، وسط تجاذبات عنيفة حول المصالح. وفي بوينس آيرس، كان اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج، محل رصد ومتابعة، وربما كان هو أهم اللقاءات على الإطلاق، خصوصاً بعد أن تم الاتفاق فيه على «هدنة تجارية»، وهو ما يعني أن الحرب مستمرة وقد تتواصل بصورة أعنف بعد «90 يوماً» هي عمر هذه الهدنة، بدليل ما ورد في توضيح البيت الأبيض الذي أشار إلى أن «ترامب لم يتراجع عن قرار زيادة الرسوم الجمركية»، ولكنه أجَّل فرضها، وسيبقى كل شيء وارداً في هذه المهلة، فالشأن الاقتصادي ليس الوحيد المتحكم في قرار البلدين، بل هناك ملفات سياسية وأمنية ملغومة بينهما، يمكن لإحداها أن يرجح كفة الصراع على التفاهم. وبإجماع أغلب المراقبين تذهب العلاقات الأمريكية – الصينية إلى التنافس الشديد أكثر من ميلها إلى الشراكة.
الاستنتاج الثاني يؤكد أن التأزم بين روسيا والولايات المتحدة ومعها بعض الدول الغربية سيستمر، ولم يحدث اللقاء المأمول بين ترامب والرئيس فلاديمير بوتين، بينما ظلت الآلة الدبلوماسية في واشنطن وموسكو تتراشق بالاتهامات والاستفزازات المتبادلة، وهذا الأمر ينذر بتهديد كبير، لا سيما بعد الأزمة البحرية الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا. وبينما حاول الأمريكيون أن يسوقوا الحادثة كانتهاك للقانون الدولي، أبدى الروس رفضاً شديداً لهذا الأسلوب مع تصريحات مبطنة بأن موسكو قد تذهب إلى ما هو أبعد، إذا استمر الصراخ الأوكراني والتجاوب الغربي معه. وتضاف هذه القضية إلى ملفات خلافية أخرى تتعلق بالأمن في أوروبا وشرقي آسيا، وكلها عالقة وتنتظر لقاء جدياً بين الولايات المتحدة وروسيا لحلها أو تهدئتها في أسوأ الأحوال.
من المصادفات السيئة للقمة أن انعقادها تزامن مع حركة احتجاجية صاخبة في فرنسا تقودها «السترات الصفراء»، وكانت أصداؤها تسمع واضحة في بوينس آيرس، وخصوصاً في حديث الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي توعد بالقصاص من «المخربين»، ولكن بصورة من الصور فإن مشاهد الاحتجاج الغاضبة هي تعبيرات عن الاستياء من النظام الاقتصادي العالمي، ومن الأزمات المتلاحقة التي تهز معظم الدول. ويبدو أن قمة العشرين عجزت عن إيجاد الحلول، والأقرب أن المتحكمين بأمرها لا يريدون حل هذه المعضلات لأن بها فوائد ومآرب كثيرة.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى