قضايا ودراسات

عولمة تنتهي وعولمة تبدأ

جميل مطر

عادة ما تكون الأيام الأخيرة من العام، غنية بالتطورات والتحليلات ولم تكن الأيام الأخيرة من العام الحالي، أقل ثراء وكرماً من سابقاتها، وكنت بنفسي شاهدًا وفي أحيان غير قليلة مشاركاً. قضيت عشرات الساعات خلال الأيام العشرة الماضية، أتابع بشغف ما يذاع ويبث وينشر عن تطورات أحداث تعددت مسارحها. قضيت ساعات أخرى استمع كثيراً وأعلق إن سنحت الفرص إلى محللين أغلبهم من الشباب، تحدثوا بطلاقة عن حاضر سقوفه وأعمدته تهدم في حضورهم، وعن مستقبل لبناته ترصّ أمامهم. كلهم، ونحن كبار السن معهم، في أمسّ الحاجة لمن يستطيع وضع هذه التطورات جميعاً في نسق يمكننا فهمه والبناء فوقه وفي داخله.
جرى نقاش طويل ومثير عن العولمة. تذكرت لحظات مماثلة وممتعة قضيتها مع الصديق الراحل السيد ياسين، ننحت في صخرة العولمة على أمل أن نصنع منها مجسّماً نفهمه ونكتب عنه مطمئنين وواثقين. وقتها كانت العولمة في نظر الكثيرين صاعدة ومنتصرة وفرصاً لا تعوض، بينما هي الآن منحدرة ومنكسرة ومحل اتهام هنا وعتاب هناك. ناقشنا، والشباب معنا، الظاهرة الترامبوية في علاقتها بالعولمة. دونالد ترامب وصل إلى البيت الأبيض يحمل لواء الكفاح ضد العولمة. أعترف للرجل بصموده أمام قوى عالمية وأمريكية، تصدت له بكل ما أوتيت من أساليب إقناع وغواية وصدامات سلمية. خاض حرباً ضروساً ضد جميع أشكال العمل الدولي المشترك. تعامل باستهانة – وكثيراً بقصد الإهانة – مع جميع مؤتمرات القمة التي شارك فيها، منذ توليه منصب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. حمل على عاتقه مهمة وقف العمل بمبادئ حرية التجارة بين الدول. وأظن أنه نجح. ففي قمة الأرجنتين يبدو أنه فرض على رؤساء 19 دولة أن ينص في بيان القمة، وربما بيانات القمم القادمة، على مبدأ «عدالة» التجارة بين الدول محل مبدأ «حرية» التجارة بينها.
في ظني كذلك أن ترامب نجح أيضاً، وإن رمزياً، في إضعاف ما يستحق أن يسمى «ثالوث العولمة المقدس»، وأقصد به أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون والاتحاد الأوروبي. دخل حرباً ضد الثلاثة ونتيجتها حتى الآن ألمانيا أضعف سياسياً في أوروبا، بسبب الهزائم المتكررة التي لحقت بالمستشارة ميركل، وفرنسا أضعف دولياً خاصة في أوروبا بسبب «غرور» الرئيس ماكرون، وتعاليه على الحركة النقابية الفرنسية، وسوء إدارته للعلاقات بين طبقات فرنسا، والاتحاد الأوروبي أضعف مؤسسياً وسياسياً بعزم المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد. بل إن المملكة المتحدة نفسها تبدو أضعف من أي وقت مضى، بعد أن تعرضت تيريزا ماي لتعنيف مباشر من الرئيس الأمريكي، حين خففت من لهجة وأساليب مبادرة الخروج من أوروبا. ترامب لا يحب أن يرى أوروبا موحدة أو متعاونة فيما بينها، ولا يحب في الوقت نفسه، أن يرى دولاً قوية في أوروبا تقود العولمة أو تنعش مسيرتها.
فجأة، ودون مقدمات طويلة، اكتشفوا أن للعولمة سلبيات. اكتشفوا أنها كادت تخنق شريحة كبيرة في طبقة الرجل العامل الأبيض في الولايات المتحدة، وأنها أضرت بصناعات عديدة تخصصت فيها طويلاً أمريكا، مثل صناعتي الصلب والسيارات، وأنها سمحت للصين بالقفز نحو القمة كمنافس للولايات المتحدة، بل وسمحت لها بأن تتجاسر وتعرض نوعاً من العولمة بديلاً للعولمة على النمط الأمريكي التي سادت وهيمنت منذ السبعينات. اكتشفوا، وأظن أننا جميعاً شهود، أن العولمة سبب مباشر في تفكيك النسيج الاجتماعي في دول كانت على وشك الانتهاء من عملية نسج مجتمعاتها. سقطت دول وفشلت دول وانفتحت بقوة الاندفاع، حدود دول أمام طوفان اللاجئين والمهاجرين. كانت الولايات المتحدة أحد الضحايا وكانت أوروبا أكبرها. توقعنا في نقاشاتنا أن تشهد الشهور القادمة تطورات أو مواقف، تستعيد بعض الاتزان إلى سلوكيات المسؤولين عن اقتصاد العالم واستقراره. قبل أيام خرج كلاوس شواب، الأب الروحي والطبيعي لنوع العولمة السائدة، بتصريحات مثيرة للاهتمام. إذ إنه بعد أن وعد بفترة ينعم فيها العالم بأمل وسلام، اعترف بأننا نعيش مرحلة عدم استقرار شديد. قال إن عالماً جديداً ينتظرنا بمجرد أن تتوقف عمليات هدم وتخريب ما هو قائم، تمهيداً لإقامة الجديد. كنا نقول إن منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مؤسسات تعكس الوضع الدولي الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية، هي الآن بالتأكيد لا تعكس الوضع الدولي الراهن. مؤخراً اكتشفت قمة الأرجنتين هذه المفارقة فصدر عنها بالإجماع ما يشير إلى الحكم بنقص في صلاحيات منظمة التجارة العالمية، إحدى أهم رايات النظام الدولي القائم. صدر كذلك عن كلاوس شواب، وهو المرجع الأساس في شؤون النظام الاقتصادي العالمي في مرحلته الراهنة، ما يفيد بأن مؤتمر دافوس القادم، سوف يدعو إلى «إعادة هندسة المؤسسات الإدارية والسياسية الدولية من القاع وحتى القمة». الحاجة ماسة بالفعل إلى ضرورة التفكير بخيال خصب وإبداع وفير في مصير مؤسسات إقليمية، وليس فقط مؤسسات دولية وأخص بالذكر جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي اللتين لم تعودا تعكسان حال الإقليمين.
المهمة صعبة، إذ إن معظم الدول تركز الآن في سياساتها الخارجية واهتماماتها الدولية بشكل عام، على استعادة سيادتها التي ضاعت أجزاء منها خلال الحماسة للعولمة، يحدث هذا وسوف يستمر، بينما يتوق الفكر السياسي إلى أن يحظى التعاون بين الدول بما يستحقه من اهتمام القادة منعاً لمزيد من الانفراط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى