قضايا ودراسات

روسيا تتحرك في ليبيا

مفتاح شعيب

يعود الحراك الدبلوماسي بهدوء إلى المشهد الليبي، بعد أقل من شهر من انعقاد مؤتمر «باليرمو» في إيطاليا، وإرسائه جملة من البنود لتنفيذها على طريق إنهاء الأزمة، وقد انعكس ذلك في بروز خطاب جديد داخلي يدفع باتجاه التهدئة على أساس التركيز على المشتركات والترفع عن مسببات الفرقة والانقسام.
من ملامح التغيير المفترض، التناغم الكبير بين مجلس النواب في طبرق والمجلس الرئاسي في طرابلس بشأن عدد من المواقف، منها تعديل الإعلان الدستوري المؤقت تمهيداً إلى المؤتمر الوطني الجامع الذي يسعى المبعوث الأممي غسان سلامة إلى عقده الشهر المقبل، إضافة إلى تكثيف الاتصالات الدولية بين الأطراف الليبية والفاعلين الخارجيين، ففي الوقت الذي كان فيه قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، يزور إيطاليا، في زيارة يكتنفها بعض السرية، كان رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج في جولة عربية بعد أن التقى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بروكسل.
أما المفاجأة الأكبر فتتعلق بالتدخل الروسي المباشر على خط الأزمة، عن طريق الدفع بسيف الإسلام القذافي إلى صدارة المشهد ليكون أحد المرشحين لانتخابات الرئاسة الليبية المرتقبة في مارس المقبل. وهناك أكثر من دليل على أن موسكو عازمة على لعب دور أكبر من المعلن، ففي هذه الأيام هناك وفد ليبي يمثل سيف الإسلام في روسيا حاملاً رسالة من نجل القذافي إلى الرئيس فلاديمير بوتين، وهو مؤشر على أن الاتصالات بين الطرفين بلغت درجة عالية من الجدية، ودخلت حيز التنفيذ فعلاً.
منذ أسابيع بدأ صوت روسيا عالياً، وهي تريد أن يكون لها دور كبير في التهيئة للحل السياسي. وقبل مؤتمر باليرمو زار رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي، موسكو، والتقى بوتين ودعاه بحرارة إلى حضور اجتماع الأطراف الليبية، لكنه كلف رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف بتمثيل روسيا على رأس وفد عسكري ودبلوماسي أكبر من وفد أي دولة غربية أخرى. وكان واضحاً أن الروس أصبحوا يلعبون في ليبيا شأنهم شأن أي قوة دولية أخرى. ولم يترك مسؤول روسي الأمر غامضاً حين أكد أن نجاح روسيا في سوريا يسمح لها بفعل الشيء نفسه في أي بلد مأزوم آخر بشرط أن يكون التدخل عبر «الطرق الشرعية»، بينما يذهب بعض المتابعين الغربيين إلى أن موسكو بدأت بالفعل تستعيد حلفاءها القدامى بعد أن خدعها الغرب وأوهمها بأن تلك «الثورات» كانت مطالب شعبية يجب التضامن معها بقلب «أنظمة الاستبداد».
بالفعل لم يعد الدور الروسي في ليبيا بحاجة إلى مزيد من الأدلة، ولا يبدو رهانها على سيف الإسلام القذافي ضعيفاً، فهذا الرجل، الذي اختفى عن الأنظار منذ إطلاق سراحه في يونيو 2017، يحظى بدعم أكبر العشائر والقبائل الليبية، وهي قوة لا يستهان بها وبإمكانها أن تقلب جميع المعادلات وتحدث المفاجأة على الطريقة الروسية.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى