قضايا ودراسات

فرنسا والمستقبل الغامض

علي قباجه

أمس باريس عام 1968 يُلقي بظلاله على يومها، فالحال واحدة بين الاحتجاجات الطلابية، التي ثارت في ذلك العام، والتظاهرات التي تمثلت ب«السترات الصفراء» في هذه الأيام، غير أن ما يفرّق بين المشهدين يبرز بشكل واضح في مستقبل فرنسا الأوروبي، ومدى قدرتها على الصمود أمام اليمين المتطرف والحركات الشعبوية، التي رأت في التظاهرات الأخيرة فرصة سانحة؛ لتوجيه رصاصة الرحمة للحكومة الحالية.
وعد اليمين المتطرف بزعامة ماريان لوبان إلى جانب رئيس «حزب فرنسا الأبية» جان لوك ميلينشون أن ماكرون فقد شرعيته، ولا بد من إطاحته، خاصة أن ماريان ما زالت ترغب في الثأر من خصمها الذي أقصاها عن كرسي الرئاسة في الانتخابات الأخيرة، وحال بينها وبين أمنيتها بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي؛ لذا دخلت هذه الأحزاب على خط الاحتجاجات؛ لتزيد الطين بلة، ولتصبح سماء باريس ملبدة بغيوم قد تأتي على نواحٍ حياتية واقتصادية مفصليّة في فرنسا، لا سيما أن الاحتجاجات خرجت عن نطاقها السلمي، وطاولت حتى الأماكن التاريخية والسياحية، وهو ما سيلقي بعبء كبير على الحكومة الفرنسية التي كلفتها تلك الاحتجاجات ملايين اليورو؛ وربما تكون كلفة الاحتجاجات تفوق ما ستحصل عليه الحكومة الفرنسية من سياسة رفع الضرائب التي فرضتها وأدت إلى إثارة الشارع الفرنسي وخروجه عن صمته.
تنازل الحكومة المؤقت، الذي أعلنه رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب؛ المتمثل بتعليق زيادة الضرائب إلى ستة أشهر، جاء من وجهة نظر الحكومة حلاً إسعافياً لإعادة الأمور إلى نصابها؛ لكنه لن يشفي جراح الطبقة الفقيرة التي ثارت ليس فقط لأجل القانون الأخير، ففرنسا تتعرض لأزمة اقتصادية خانقة، وأزمة الضواحي ما تلبث أن تخمد إلا وتعود جذوتها من جديد؛ لذا من المؤكد أن الحل الأخير لن يصل إلى مبتغاه وربما يخرج بعض المتظاهرين من الشارع؛ لكنه لن يقوى على إعادة الأمور إلى سابق عهدها لأسباب داخلية وعالمية؛ حيث تتمثل الأسباب الداخلية بأحزاب المعارضة وخاصة اليمين المتطرف الذي عرف من أين تؤكل الكتف، فركب عجلة الاحتجاجات ولن يسمح لها بالتوقف حتى تطيح ماكرون، إضافة إلى أن التظاهرات ينقصها التنظيم والقيادة التي تستطيع التحاور وبما أنها كذلك؛ فهي بالتالي غير منظمة ولا تخرج عن كونها حركات عفوية، وهذه من الصعب السيطرة عليها؛ حيث تتباين المطالب والرؤى بين الأطراف المتظاهرة، وأضف إلى كل ما سبق الحراك العالمي الذي استغل الوضع وسحبت كل دولة البساط إلى طرفها، فمن الدول من رأت أن التظاهر هو تصرف طبيعي ينبغي أن يكون ضد ماكرون، وهي بذلك تحاول معاقبته دون أن تتدخل بشكل مباشر؛ وذلك لأنه دعا لتكوين جيش أوروبي، وهو ما أثار حفيظة دول رأت في تلك الدعوة تمرداً لا بد أن يكبت قبل أن يتطاير شرره إلى دول أخرى وتؤيد الفكرة، وهو ما سيؤثر في حلف الناتو ويقضي عليه.
فرنسا اليوم تقف على مفرق طرق وتعيش مرحلة حرجة، فهل سيقوى ماكرون على إدارة الأزمة بحنكة ينتشل بها البلاد من براثن المجهول أم أن «السترات الصفراء» ستأتي باليمين المتطرف إلى سدة الحكم، وبالتالي ستكون حال فرنسا شبيهة بجارتها الأوروبية بريطانيا وتودّع الاتحاد الأوروبي، إدارة الأزمة الحالية هي القول الفصل بين الطرفين، فإلى أين تتجه فرنسا؟

aliqabajah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى