قضايا ودراسات

حشد «الدول النبيلة» وجنون العظمة

حسام ميرو

اعترف مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، بأن بلاده افتقرت للقيادة، خلال السنوات الماضية، معتبراً أن سياسات الرئيس دونالد ترامب تهدف إلى «عكس المسار»، والعودة إلى القيادة من جديد، في مواجهة كل من روسيا والصين وإيران، وأن الرئيس يقوم بحشد «سبع دول نبيلة»، من أجل «بناء نظام عالمي جديد»، وجاءت تصريحات بومبيو، خلال اجتماعات، عُقدت مؤخراً، في بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، كما أنه لم يوفر في نقده الحلفاء الأوروبيين، ومؤسستهم الأهم «الاتحاد الأوروبي»؛ حيث شكّك بفعالية الاتحاد، إضافة إلى تشكيكه بجدوى عدد من المؤسسات الدولية.
ما يلفت الانتباه في كلام الوزير بومبيو هو تلك النبرة الأخلاقية المستمدّة من العصر الإقطاعي/ الفروسي، وهي نبرة لا تنسجم، لا من بعيد ولا من قريب، مع تصريحات سابقة للرئيس ترامب، في مطالبته بعض الدول تحمّل تكاليف أمنها مقابل دفع المال، وهذا الخطاب الفصامي يعكس حالة من التخبّط الأمريكي، وعدم واقعية في فهم المتغيّرات الكثيرة التي حدثت خلال العقد الأخير، مع وجود ممانعة أمريكية للاعتراف بأن الوقائع الدولية اليوم تختلف كثيراً عن تلك التي أسّست للنظام الدولي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أو للأوضاع التي سادت عشيّة سقوط الاتحاد السوفييتي.
في عام 1950، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين، بحدود 241 مليار دولار، بينما كان الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا 1456 مليار دولار، بزيادة قدرها ستة أضعاف عن الصين، في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا تحاول التقاط أنفاسها، بعد أن دمّرت الحرب بناها التحتية، وحوّلت الكثير من مدنها وقراها إلى ركام، لكن الصين اليوم، عادت لتحتل المرتبة الأولى، من حيث الناتج المحلي، والذي تجاوز 23 تريليون دولار، كما تحتّل ألمانيا المرتبة الخامسة، وذلك وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.
المعاناة الأمريكية اليوم ليست فقط مع الخصوم، وإنما أيضاً مع الحلفاء التقليديين، فأوروبا، بقيادة ألمانيا وفرنسا، تحاول انتزاع مساحة أوسع لمصالحها، وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية عن الحليف الأمريكي، خصوصاً أن واشنطن، ومنذ بداية الألفية الثالثة، تنتهج سياسات أنانية، بعيدة عن مصالح الحلفاء، وهو ما يعدّ تراجعاً عن استراتيجية الشراكة الأمريكية مع أوروبا، والتي سادت لعقود طويلة.
ثمة تبدل هائل منذ بداية موجة العولمة الثالثة، يتمثل في توسّع نفوذ الشركات الكبرى، العابرة للقارات، على القرار السياسي الأمريكي، فلم تعد السياسة الأمريكية تعكس حاجات الولايات المتحدة في التوازن الدولي، بقدر ما تعكس حاجات تلك الشركات في الاستحواذ على نصيب أكبر في تقسيم العمل الدولي، وهو ما يوضح بشكل كبير، كما يفسر، خروج السياسة الأمريكية عن سياق التعامل الدبلوماسي مع الحلفاء، بل والهجوم عليهم، مع محاولات مفضوحة في الابتزاز السياسي.
منذ مجيء الرئيس ترامب، زادت مطالبة واشنطن لحلفائها في تحمّل نفقات الدفاع المشترك، سواء في داخل حلف الأطلسي، أو في خارجه، ولقد صرّح الرئيس ترامب، غير مرّة، عن ضرورة زيادة أوروبا لمساهمتها المالية، في نفقات حلف الأطلسي، وهو ما عاد وأكّده وزير خارجيته في الاجتماع الذي جرى مؤخراً في بروكسل، مع جرعة من الانتقاد للنظام الليبرالي القائم، ولمؤسساته، في خطاب ينمّ عن استياء واشنطن من المؤسسات الأوروبية، والتي تعتبرها معرقلة لاقتصاد السوق، خصوصاً أن معظم الدول الأوروبية، لا تزال متمسكة بدولة الرعاية، ومؤسساتها الاجتماعية.
إن التصريح عن سعي واشنطن لحشد «الدول النبيلة» ما هو إلا إعادة تقسيم بالية للعالم، بين دول مقدّسة، مدافعة عن القيم الليبرالية، وبين دول مدنّسة، تقف في وجه الليبرالية، لكن هذا السعي ينم عن جنون عظمة.
لا شك أن النظام الدولي الراهن يعاني اضطرابات عديدة، لكن إعادة تشكيله عبر الاستقطاب سيكون كارثياً، ويتوقف الأمر على خيارات أوروبا، ودولها القوية، والتي تسعى واشنطن لتكون ضمن حلفها النبيل، لكن مضي أوروبا وراء جنون عظمة واشنطن في الوقت الراهن سيخضع لاعتبارات عديدة، وفي مقدمتها ظهور معاناة شديدة في النظم الاقتصادية لمعظم الدول الأوروبية، فهل ستتريّث أوروبا، أم ستواجه أزماتها بالقفز من فوقها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون رهن مستوى العقلانية الأوروبية، لكن التاريخ، وللأسف الشديد، يخبرنا أن مجرياته ليست دائماً عقلانية، بل إنها في معظم الأحوال ليست كذلك.

husammiro@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى