قضايا ودراسات

السودانيون والاستعمار.. القاعدة والاستثناء

كمال الجزولي
ضمن مقدمة كتابه (سودانيون وإنجليز) أكد د. حسن عابدين، أن «التاريخ حقائق عن الماضي، ومنهجية علمية لجمع ورصد وتفسير هذه الحقائق.. ولا خير ولا جدوى في تطويع التاريخ لغير الحقيقة». ومع سداد هذه الحكمة البسيطة، إلا أن الكاتب لم يلتزمها، بل مضى ينتقي الوقائع، وينتزعها من سياقها، ليسبغ عليها صفة (الحقائق التاريخية)، ويثبت بها فكرة قبلية فحواها أن بعض القبائليين والطائفيين اقتربوا من رجال الإدارة البريطانية، ما أتاح نشوء علاقة (إنسانية) بين الطرفين، ويسمي ذلك بالوجه (الإنساني) ل(الاستعمار)، على خلاف المتعلمين الذين افتقروا لتلك الخبرة، فاختزنوا أفكاراً مسبقة عن بغض الاستعمار، ومن ثم الاستعصام برفض التعاطي (الإنساني) مع المستعمرين. ولا شك في أن العقل والوجدان الوطنيين لا يمكنهما بلع تحليل كهذا، خصوصاً أن فئة المتعلمين تلك كانت تشمل من يعدهم هذان العقل والوجدان أبطالاً للمقاومة، كعلي عبد اللطيف، وعبيد حاج الأمين، مثلاً.
فإذا كان هدف الكاتب هو (حقيقة الماضي الموضوعية)، فنظريته عن هذه (الإنسانية)، باعتبارها (حقيقة مطلقة)، مطروحة، هنا، لتكافئ (حقيقة) الماضي (الموضوعية)، بينما الأخيرة هذه، والتي ينبغي أن تخضع، حسب الكاتب نفسه، لمنهجية علمية في الرصد والتفسير، لا يمكن إدراكها بالركون إلى مبحث (الحقيقة المطلقة) وحدها، أو بالسعي لتقديم تفسير مطلق وحيد للظاهرة، بل يمكن ذلك، فقط، عبر جدلية مفهومي (الحقيقة المطلقة)، و(الحقيقة النسبية). فالأولى متعذرة، لكونها تعني امتلاك المعرفة النهائية بالظاهرة في اللحظة المحددة، وإن أمكن الحصول على بعض عناصرها اليقينية الملموسة، مما لا يتوقع أن يدحض العلم صحته مستقبلاً، كأخبار الوقائع الثابتة مثلاً. أما (النسبية)، فتبدأ من الإقرار بعدم اكتمال معارفنا التي تعكس تحليلنا للظاهرات بصورة غير دقيقة، مما يتوقع أن تطاله يد التصحيح أو التعديل مستقبلاً، بسبب حدوث تغير جوهري ملموس في الروابط والتفاعلات بشأن الظاهرة المعينة. أما إذا لم يقع ما يمكن اعتباره تغيراً جوهرياً ملموساً في هذه الروابط والتفاعلات، فلا مجال للحديث عن أي تصحيح، ومن ثم لا سبيل إلى توقع أي تعديل.
لقد وضع، منذ نشوء الظاهرة الاستعمارية في القرن الخامس عشر، ما لا حصر له من الأبحاث حول تاريخها وعلم اجتماعها، من دون أن يقول أحد إن تغيراً (جوهرياً) ملموساً قد وقع في روابطها وتفاعلاتها. وعبر كل هذا التاريخ لم نسمع بشعب أبهجه الخضوع لسطوة الاستعمار، دع أن يكون هذا الشعب هو الشعب السوداني الذي قاوم الأتراك وكسرهم، وقاوم الإنجليز منذ مطالع سنواته الأولى بمختلف الأشكال والأساليب، إلى أن حقق استقلاله السياسي عام 1956م.
وليت المؤلف أدرك، لدى معالجته لظاهرة بعض القوى المحلية التي (دعمت) الاستعمار، ما أدركه كتاب آخرون، كالبريطاني تيم نبلوك، بدلاً من تعجل تفسير هذا الدعم بنظرية (المحبة الإنسانية)، كنا أوردنا ضمن كتابنا (إنتلجينسيا نبات الظل)، أن هم الإدارة البريطانية، أول أمرها، كان خلق (مؤسسة) تسهل لها نهب الموارد. ولذا انتبهت إلى العناصر التقليدية التي تصادمت مصالحها مع المهدية ودعوتها، فضلاً عن بعض السكان الذين حرمت المهدية مباهجهم الحضرية. ولخص اللورد كرومر تلك السياسة الاستعمارية بأن الواجب عدم تغريب الطبقات العليا. كما شرح كتشنر ذلك الواجب بضرورة الاتصال الوثيق «مع أفضل طبقة من الأهالي» بغرض التأثير في أفراد الشعب، وبضرورة الإيحاء لهم بأن «تطوير مصالحهم الذاتية هو الهدف الرئيسي للحكومة». ولم يصعب على البريطانيين العثور على تلك (الطبقات العليا) لتكوين (المؤسسة) من (المبتهجين) الذين أصبح لديهم دافع إضافي ل(الابتهاج) بسبب اهتمام الحكومة الجديدة بمصالحهم الذاتية. فعمليات المراكمة الرأسمالية التي بدأت تقوم بها القيادات القبلية والطائفية، واعتماد المشاريع الزراعية على العمل المأجور، والوزن الكبير الذي كان يحتله قطاع الإنتاج التقليدي في مختلف مناطق البلاد، والدور المهم للقيادات القبلية في توزيع أراضي الرعي والزراعة التقليدية، يعكس، من جهة، الدور الذي كانت تلعبه أشكال الإنتاج السابقة على الرأسمالية في اقتصادات البلاد، كما يضيء، من جهة أخرى، المصالح الطبقية للقوى الاجتماعية التي شكلت مركز الدعم الأساس للاستعمار.
لقد رفض الشعب السوداني الاستعمار، تركياً كان، أو بريطانياً، وقاومه بعناد، وبسالة، وصرامة، حتى انتصر عليه، وحقق الاستقلال في 1885م، وفي 1956م. قد يكون انهزم في بعض المعارك، قد يكون كفاحه تراجع في بعض المنعطفات التاريخية، قد يكون وضيعون من بين صفوفه مالأوا البريطانيين، أو حتى سمسروا لهم، وتاجروا معهم في القضية الوطنية، قد يكون بعض زعماء القبائل أو الطوائف ساعدوهم، على نحو أو آخر، وقبضوا الثمن، فمثل هذا وقع لدى كل شعوب المستعمرات السابقة، لكن شعبنا، في عمومه، كافح بالمهج والأرواح، لم يستكن قط، لم يدر للمستعمر خده الأيسر، أو يتذلل له، أو يعامله حتى بالوصف المخاتل الذي يطلق عليه مؤلف هذا الكتاب (المعاملة الإنسانية).
فلئن كانت تلك بمثابة (القاعدة) في علاقة السودانيين بالسلطة الاستعمارية، فإن ماعداها (استثناء) لا يقاس عليه. وخطأ مؤلف هذا الكتاب أنه أحل (الاستثناء) محل (القاعدة).

kgizouli@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى