مقالات ادارية

استشراف التقاعد

د. خالد الحضرمي

يعد استشراف فترة التقاعد من الوظيفة جزءاً لا يتجزأ من استشراف المستقبل، وهذا الإستشراف الذي أقصده في هذه المقالة يخص فئة ليست بالقليلة في مجتمعنا على إعتبار أن لكلٍ منا وظيفة حكومية أو خاصة قد تنتهي بعد فترة. لنبدأ أولاً بتعريف مفهوم استشراف المستقبل و التي تم تعريفها بأنها مجموعة من الإجراءات و الأنشطة التي تعمل على تحسين عملية صنع القرار في المستقبل، و الهدف الأساسي منها يكمن في أن نكون في موقف أقوى في المستقبل و في حالة من الإستعداد التام لطائفة من الإحتمالات و الفرضيات التي قد نواجهها. و لا يوجد ما يتعارض مع استشراف المستقبل و ديننا الحنيف، فقد جاءت بعض الآيات و الأحاديث النبوية التي أشارت إلى التخطيط لما هو آت في المستقبل، كما جاء في الحديث النبوي من موقف سيد البشرية عليه أفضل الصلاة و السلام من ذاك الرجل الذي أوصى بماله كله حيث أنكر عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و استشرف حال ذريته من بعده لو أن الرجل أوصى بماله كله فقال (( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) رواه البخاري و مسلم. إذاً فإستشراف المستقبل علم حديث بدأ الخوض فيه في القرن العشرين، و ذلك نتيجة استثمار هذه الإستشرافات الفردية و العناية بالتخطيط السليم لهذا العلم والإستفادة من التقدم في منهجية التفكير و دراسة الظواهر المختلفة بالوسائل العلمية المتطورة في ظل الثورة الصناعية المتزايدة. فإستشراف المستقبل لا يعني التنبؤ بما هو قادم بل التبصر بجملة البدائل المتوقعة التي تساعد على الإختيار الأمثل لمستقبل أفضل. والمتقاعد من وظيفته بإمكانه أيضا إستشراف مستقبله من الآن، والإستعداد بشكل جيد لحياة ما بعد الوظيفة، فالتقاعد من الوظيفة لا يعني نهاية الحياة، و إنما هي بداية لمرحلة جديدة نحتاج إلى التخطيط السليم من خلال استشرافه قبل أن يصلنا خبر التقاعد. الكثير منا ينظر لمرحلة ما بعد التقاعد على أنها الأكثر كآبة و مليئة بالألم و المرارة و انتقاد الذات و الإنعزال عن الناس، و السبب يعود في هذا إلى أن الموظف جعل حياته بأكملها مربوطة بوظيفته و كأن الوظيفة سوف تذهب معه في قبره!. و لابد من الإشارة هنا بأن الحياة الوظيفية مرحلة من مراحل عطاء الإنسان و لا ينتهي هذا العطاء في مرحلة التقاعد و إنما يستمر عطائه في مجالات شتى ما دمنا على قيد الحياة، ولا ينبغي للمتقاعد أن يستسلم لحياة الكسل و الروتين و الفراغ دون ممارسة أي نشاط جسماني أو ذهني و الذي سوف ينعكس عليه سلباً و يؤدي إلى كثرة المشاكل الإجتماعية و النفسية و التفكير الزائد و تغير ملامح وجهه و إنتشار الأمراض و زيادة الوزن و غيرها من الأمور التي قد تجعل المتقاعد حبيس نفسه و بيته. لذا قد يكون استشراف المستقبل في حياة المتقاعد أمراً ضرورياً و تعطي نتائج إيجابية جيدة، إذا ما فكَر ملياً قبل تقاعده في كيفية الإستفادة لحقبة ما بعد التقاعد، من خلال إعداد قائمة بالأشياء التي قد يراها مناسبة لهذه الفترة من خلال تقوية أواصر العلاقات الإجتماعية أو تطوير المهارات الشخصية أو ممارسة الرياضة أو السفر أو تأسيس مشروع تجاري صغير للإنشغال فيه أو كثرة القراءة و الإطلاع و غيرها من الأمور التي قد يستمتع بها المتقاعد. إذن طرق الإستمتاع كثيرة و متنوعة وفقا لرغبات و أهواء الشخص، و لابد من أن نستوعب جيدا مفهوم التقاعد و التفريق بين الوظيفة كمنعطف والحياة العامة كمنهج حياة، و علينا أن نكون في أتم الإستعداد للإستمتاع بهذه الفترة، و علينا أيضاً أن نستحضر و نستشرف فترة التقاعد من الآن و الإستعداد بشكل جيد حتى يستمر العطاء دون الشعور بأي تغير في نمط حياتنا.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى