قضايا ودراسات

استهداف مُشين للنسيج الوطني

محمود الريماوي
لم يسبق في تاريخنا الحديث أن تعرض المواطنون المسيحيون للاستهداف الممنهج، وعلى النحو البشع الذي يلحظه المتابعون لما يجري في مصر خلال السنوات القليلة الماضية. لقد وقعت بعض الأحداث الطائفية المتفرقة هنا وهناك، ولكنها لم تبلغ درجة الاستهداف المنظم لمكون رئيسي في المجتمعات العربية. لقد وقع بعض مثل هذه الحوادث في العراق، وقوبلت الاعتداءات بسخط بالغ أدى إلى توقفها. وفي لبنان خلال الحرب الأهلية الطويلة بين عامي 1975 و1989 فقد كان الصراع يجري بين أحزاب وتشكيلات مسلحة أساساً، وإن اتخذ الصراع طابعاً طائفياً في بعض المراحل، لكن أحداً لم يرفع راية استهداف المسيحيين، ولا استهداف المسلمين. ورغم الفظائع التي تجري في سوريا بحق المدنيين بصور ة يومية، إلا أن استهدافاً منظماً لشريحة المسيحيين لم يتم في هذا البلد المنكوب.
وحدها مصر التي عرفت على الدوام بتماسك نسيجها الاجتماعي، وبغلبة القيم الوطنية الجامعة بين أفراد شعبها، مُنيت في السنوات الأخيرة بحملات دموية مسعورة لاستهداف الأقباط وأماكن عبادتهم، ما ينزع عن هذا الاستهداف أي طابع سياسي ويدرجه في خانة تهديد مكون أساسي، وعلى أيدي فئة موتورة لا تمت بأدنى صلة لقيم المجتمع المصري المستقرة على مدى قرون، وعبر التاريخ، حيث يتشارك المسلمون والمسيحيون في أعياد بعضهم بعضاً، ويحيون مناسبات وطنية واجتماعية جامعة ما بينهم. والى الأعياد والمناسبات الاجتماعية فإن تاريخ مصر يسجل وقوف مختلف شرائح الشعب في الكفاح ضد الاستعمار، ومن أجل الاستقلال والكرامة الوطنية.
وعليه، فإن استهداف هذا المكون الأصيل يشكل إضافة إلى طابع جنائي جسيم، شذوذاً عما استقر عليه الوجدان المصري النابذ للتعصب والفئوية، والحريص على احترام التعددية الثقافية والاجتماعية في إطار من الوحدة الوطنية الصلبة والراسخة.
إنه لمن دواعي الأسف والمرارة أن تفتقد شريحة واسعة من المجتمع إلى الشعور بالأمان والطمأنينة في وطنها، كما تنبئ عن ذلك ردود فعل كثيرين من المصريين الأقباط، وذلك نتيجة تكرار الفظائع بحق تجمعاتهم ودور عبادتهم، وكما حدث مؤخراً لدى مهاجمة حافلة تُقل هؤلاء في منطقة المنيا، حيث سقط نحو ثلاثين ضحية جُلّهم من الأطفال، وقد جاء هذا الهجوم الوحشي الذي نفذه عدد من المسلحين الملثمين في وضح النهار، في استعراض قوة شائن على عائلات تعيش حياتها اليومية الاعتيادية، وتتنقل كحال بقية المصريين في ربوع موطنها. ويغدو الأمر أكثر مدعاة للقلق مع إدراك أنه يتعذر حماية ملايين المواطنين في تنقلاتهم اليومية، وحيث يعيش الجميع، خاصة في المدن، حياة مختلطة لا حواجز فيها، ولا تصنيف لأحد حسب معتقده الديني. بينما يتيسر فرض أشكال من الحماية على القرى والتجمعات الريفية المعزولة، وحيث جرت فيها من قبل عمليات استهداف واحتكاكات أهلية، لكنها كانت اقل خطورة من الاستهداف المتعمد الذي بات يسم الهجمات في السنوات الأخيرة.
وإذ يشكل هذا الأمر تحدياً أمنياً جسيما، يُعهد بالتعامل معه إلى الجهات المختصة، فإن الواجب يقتضي في مثل هذه الظروف مواجهة الظاهرة داخل المجتمع، وفي الفضاء العام، بتحريم، وتجريم أية تعبئة طائفية، أو تصنيف المواطنين على أساس ديني، أو التعريض بمعتقدات الآخرين، أو تبخيس مكانة أية فئة على أي وجه من الوجوه، وفي مختلف وسائل التعبير. وتلك مسؤولية المجتمع برمّته، وخاصة نخبه المستنيرة، وكل الغيورين على النسيج الوطني والاجتماعي، وهم الأغلبية الغالبة من المصريين، ولا تقع على كاهل الدولة فحسب، من دون إعفاء الدولة من مسؤوليتها في الإعلاء من شأن المواطنة على جميع المستويات، بما في ذلك تسنّم المناصب والمواقع على أساس الكفاءة والأهلية، وبغير تصنيفات للمواطنين، وذلك من أجل بث رسالة للمجتمع مضمونها أن المواطنين سواسية بحكم الدستور، وبإرادة الحياة الوطنية المشتركة، وأنه لا تمييز ولا تفضيل ولا إقصاء بينهم.
لقد وقع الهجوم الأخير ضد إخوة في الوطن، وفي الإيمان، عشية بدء شهر رمضان، وليس هناك من تشويه أقبح لمعاني التراحم والتواد التي يزخر بها الشهر الفضيل، من ارتكاب هذه المجزرة على أيدي قتلة يرفعون إفكاً وبهتانا راية الدين الحنيف، بما يوجب الترحّم على الضحايا الأبرياء ومواساة ذويهم المكلومين، والاقتصاص من القتلة في إطار من حكم العدالة والقانون، وبعيداً عن الانتقام والانفعالات الهائجة التي تلحق الضرر بصورة العدالة، وبمقتضيات القانون وكذلك بموجبات حماية السلم الأهلي والنظام العام.

mdrimawi@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى