قضايا ودراسات

التطرف.. دمار للبشرية عبر العصور

سلطان حميد الجسمي
مما لا شك فيه أن التطرف هو السلاح الأكبر لدمار البشرية في العالم، ودائماً ما يخلق القلق النفسي في المجتمعات، ويحول الإنسان المسالم إلى إنسان متعطش لرؤية الدم والقتل ودمار المجتمعات لغايات انتقامية شريرة كامنة في نفسه، أو غايات توسعية من أجل السيطرة على البشرية، فينشئ التطرف مجتمعاً حاقداً متعطشاً للدماء كارهاً للغير ليس في قاموسه أي مكان لكلمة التسامح ومشتقاتها.
يجمع التطرف البشر من جنسيات شتى لغايات تدميرية، ويستهدف جميع البشر من دون تمييز في دياناتهم، يجمع وحوشه لتدمير المجتمعات، وزعزعة الأمن والاستقرار والقتل والفساد ونهب الثروات والقيام بالانفجارات، لا يميز صغيراً من كبير، فالأطفال الأبرياء هم ضحايا للمتطرفين، تنتشر أشلاؤهم الصغيرة لتشير إلى وحشية وفظاعة تلك القلوب السوداء.
التطرف له تاريخ وخيم، حيث مرت البشرية عبر العصور بعدة ظواهر وحركات متطرفة، وذهب الملايين ضحايا للنزعات الشريرة لحفنة من المتطرفين الذين شذوا عن ركب الإنسانية في عقولهم ونواياهم المدمرة. كانت الصهيونية في العصر الحاضر مثالاً على التطرف، لما لها من أهداف عدائية للبشرية، فكانت دولة فلسطين هي أولى أهدافهم باستخدامهم شعاراتهم المزيفة وهي «أن يهود العالم لا بد لهم من العودة إلى أرض الآباء والأجداد»، فاحتلوا الأراضي المقدسة في دولة فلسطين من وراء هذه الشعارات المتطرفة المزيفة، وقتلوا الفلسطينيين بدم بارد، ونهبوا الأراضي، وهجّروا أهلها، وارتكبوا مجازر جماعية في هذه الأرض المقدسة. والصهاينة بتطرفهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار الذي يجعلهم أفضل شعوب العالم، وبذلك يبرر فعلته الشنيعة للاحتلال الأراضي الفلسطينية، وقتل الأبرياء وتهجيرهم واعتقالهم وبناء المستوطنات.
الحركة النازية المتطرفة أخذت حصة كبيرة من قتل البشر ودمار الأمة في العالم، حيث أحرق أدولف هتلر أوروبا، وتوقف زحفه قبيل موسكو بسبب الشتاء الروسي القارس، والذي ابتلع مئات الآلاف من جيش هتلر، وكانت الأهداف الرئيسية وراء الحرب المدمرة هي «إخضاع العالم»، وادعاء أن العرق الآري متقدم على كل الأعراق في العالم، فالتطرف الاستعماري والعرقي قاد النازي هتلر إلى الحرب العالمية الثانية التي خلفت ما يقارب 85 مليون قتيل.
اليوم وفي الشرق الأوسط ترعى الجمهورية الإيرانية حركات التطرف وتصدير الثورة، وتتدخل في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وتقدم للمنطقة ميليشيات إرهابية عوضاً عن تقديم السلام والتنمية، وما تشهده المنطقة اليوم من إرهاب هو استغلال التطرف لمصالح دول وجماعات، واستغلال هذه الدول والجماعات للمتطرفين.
تنظيم «داعش» أخطر التنظيمات الإرهابية المعاصرة، وتزايد خطره بسبب الموارد المالية التي استولى عليها في سوريا والعراق، وارتكب المجازر الفظيعة والإبادات الجماعية في حق الأطفال والنساء والرجال، وذئابه المنفردة تقتل الأبرياء في العالم من دون رحمة.
استخدم «داعش» شعار «باقية وتتمدد»، ولكنه الآن يحتضر ويموت، وأحلامه الزائفة تزول وتبدد، والعالم كله باختلاف أديانه وأجناسه يقف ضده، لأن أفكاره المتطرفة غير صالحة للاستخدام الآدمي، فهي ذاهبة إلى مزبلة التاريخ.
الشر الأكبر اليوم هو الإرهاب، لأنه يهدد جميع الدول والمجتمعات من دون تمييز، ولا بد من محاربته بشتى السبل، ولا بد من اجتثاث جذوره وبذوره، فمن دون اجتثاثه سيبقى «داعش» يهدد الجميع، ولو بقي مدة تحت الأرض، ومن دون اجتثاث الجذور المتطرفة التي تزرع الإرهاب سيأتي «داعش» آخر يهدد العالم، عندما يجد بيئة خصبة ومناخاً مناسباً له.
التطرف لا يستند إلى دين معين، بل هو ظاهرة لها مصالح دنيوية تخدم قوى الشر فقط، لم يسجل التاريخ يوماً بأن التطرف له أهداف سامية أو صنع للبشرية تقدماً أو تنمية، بل يؤجج دائماً الأحقاد ويهدم الترابط في المجتمعات، ويعود بها إلى ظلام القرون الوسطى.
يجب تعزيز دور التسامح والتعايش في المجتمعات، وخاصة التي يخرج منها التطرف والتشدد، لكي لا تكون عرضة للإرهاب الداخلي أو تصدير الإرهاب إلى خارج مجتمعاتها، ويجب أن يجتمع العالم على كلمة واحدة وهي السلام لتنعم البشرية بأمن واستقرار وسعادة.

sultan.aljasmi@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى