قضايا ودراسات

منظومة الإصلاح

استكمالاً لحديث الأمس حول أهمية إعادة الاعتبار لمنهج الإصلاح، يتعين القول إن الإصلاح منظومة متكاملة، ليس الإصلاح السياسي الذي تناولناه بالحديث سوى أحد عناصرها، وهذا الأخير لن يستقيم إلا إذا أصلحت العناصر الأخرى في تلك المنظومة، ومنها الإصلاح الثقافي الديني وسواهما.

وثمة تلازم بين الثقافة والإصلاح. لا إصلاح بدون ثقافة، ولا ثقافة تنمو وتتعمق وتؤثر إلا في جو صالح. والإصلاح، في كل الأزمنة والأمكنة، يبدأ بفكرة. والفكرة هي في الأساس ثقافة، فما من حركة إصلاحية في التاريخ إلا وسبقتها فكرة، إلا وسبقتها ثقافة.
قلنا أمس إن حديث الإصلاح شاع في العالم العربي مع بداية الألفية الحالية، ولكن الدقة تقتضي التوضيح أن هذا الحديث دار حول الشق السياسي تحديداً، بينما سؤال الإصلاح في الثقافة العربية سؤال أصيل راسخ، ليس جديداً عليها وليس مفتعلاً. حسبنا هنا أن نذكر تلك الأسماء المضيئة التي كانت فكرة الإصلاح هاجسها وباعث بحثها ومسعاها: الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والكواكبي ورفاعة الطهطاوي وفرح أنطون وسواهم.
وإذا كان الإصلاح يتطلب ثقافة الإصلاح، فإن هذه الأخيرة لن تستقيم شرطاً له ما لم يصر إلى إصلاحها وتجديدها هي نفسها، وإلا فإنها بمعناها ومبناها، إن لم يكونا جاهزين لذلك، ستصبح عقبة وعائقاً بوجه الإصلاح ذاته لا دافعاً إليه أو حاملاً له.
ورغم مرور أكثر بكثير من قرن على طرح رواد النهضة العربية الأسئلة الكبيرة حول سبل الخلاص من واقع التبعية والتخلف الاجتماعي والعلمي، وبلوغ الرقي والتقدم، ما زالت هذه الأسئلة، في جوهرها، ماثلة أمام الثقافة العربية اليوم، لأن الفشل لم يكن فقط من نصيب المشروع النهضوي العربي الأول على يد رواده الكبار في نهاية القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، إنما كان هذا الفشل أشبه باللعنة التي لاحقت كل مشروعاتنا النهضوية على مدار قرنٍ بكامله، كائناً ما كان الرداء الفكري الذي ارتدته هذه المشاريع.
لا يجب النظر للإصلاح بوصفه تصحيحاً لوضع خاطئ كان قائماً فحسب، وإنما كونه عملية من أجل تحقيق أهداف حيوية تتطلب رؤية موجهة نحو المستقبل، على نحو ما فعلت الأمم الناهضة بما فيها تلك التي كانت تدرج مثلنا في خانة الدول النامية.
وليست أقل أهمية من ذلك مهام تطوير أنظمة التعليم، وإشاعة المناخ الديمقراطي في مجال الثقافة والإعلام ورعاية التربية والفنون والآداب عبر توفير البنية الأساسية اللازمة لذلك لإيصال الخدمات الثقافية الضرورية إلى القطاعات الشعبية الواسعة، والتأسيس لمفهوم التنمية الثقافية بوصفه أحد أوجه التنمية المستدامة الموجهة نحو بناء الإنسان وتطوير مهاراته الذهنية والمهنية.
د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى