قضايا ودراسات

مواهب بين الإهمال والانحراف

عبد اللطيف الزبيدي
عندما يطفح كيل السلبيات، حتى لا نقول يفيض تنورها ويفور، ينشغل الناس عن التفكير في الإيجابيات. الأمر طبيعي، فمن يواجه التحديات، لا يفكّر في ترف نهاية الأسبوع. القلم يتطيّر من عبارة «ويكند»، تلوح له «ويك اند»: النهاية الضعيفة». لا قدّر الله ولا كدّر.
لا تبدو في الآفاق إيجابية أعظم وأقْوم من التفكير العملي في شق طريق خلّاق للشباب العربي. الحلم كبير يحتاج إلى عقول كبيرة تتخطى السؤال المحبط: كيف يُعقل التفكير في مشروع كبير في أوضاع عربية متداعية؟ الجواب الحتمي: واجب الأطباء الجيدين هو السعي إلى العلاج بصرف النظر عن حالة المريض ومدى استفحال الداء.
المنطلق البسيط يتمثل في عشرات الملايين من الشابات والشبان المتعلمين، الأبرياء من كل الشوائب كالعنف والتطرّف. هؤلاء ثروات طائلة، بل كنوز لا تجد من يحسن ومن يتقن استثمارها في كل مجالات الإبداع والابتكار والاختراع. الكارثة هي أن إهمالها وتهميشها يجعلها عرضة لسوء الاستغلال، ذاتياً بانجرارها إلى المهالك بنفسها تلقائياً، أو بفعل فاعل، كما حدث لعشرات الألوف، الذين تحولوا إلى طاقات مدمّرة لأوطانها وأوطان غيرها، القريبة والبعيدة.
المواهب الشريرة مأساة حقيقية، كفاءات فعّالة ضلت طريقها، ولو وجدت سبيلاً قويماً لكانت عبقريات نافعة مفيدة. ثمة طرائف ذات مغزى بعيد في هذا المجال. صحيفة «كانار آنشينيه» (البطة المغلولة) الفرنسية الساخرة، نشرت قبل أكثر من عقد تحقيقاً عن مراهقيْن فرنسيّيْن اخترقا حواسيب «اف.بي.آي» وشركات نفط كبيرة، قضيا ساعات طويلة في السطو على معلومات سرية. حين ألقي عليهما القبض رفضت الداخلية تسليم أحدهما لواشنطن، وسجنهما، وقررت إصلاحهما بالخدمة في المعلوماتية الأمنية الحساسة. في الولايات المتحدة حادثة طريفة أخرى: شاب نابغة في الألعاب السحرية على نحو غير مألوف، عبقري في تشتيت انتباه المشاهدين. رأت وكالة الاستخبارات أن مواهبه تصلح لما هو أهم، ألحقته بالخدمة للاستفادة من خبراته في الخطط التضليلية العسكرية وغيرها.
ذلك في الجانب الإصلاحي أو ما يمكن استخدامه في «عظائم» الأمور، فما بالك بعشرات الملايين من الشبان الأسوياء الأنقياء، الذين تُحرم البلدان استثمار مواهبهم في كل ما هو إيجابي. أليست المسؤولية في إهمالهم وتبعاته واقعة على عاتق الأنظمة؟ بين هؤلاء في أدنى الأدنى مئات الألوف من المتميزين المتفوقين، والألوف من العباقرة المتألقين، لو أتيحت لهم الفرص في ميادين البحث العلمي والتطوير والاكتشاف والإبداع.
لزوم ما يلزم: النتيجة الصوفية: العالم العربي متشبّع بعرفان الاستغناء والتجرّد.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى