قضايا ودراسات

وراء المحيط

قد يصبح قطع الساعات الطوال كي تعبر، بالطائرة، المسافة إلى الولايات المتحدة، وحده، سبباً كافياً لأن يخلق في نفسك الشعور بأنك أتيت «عالماً آخر».
حقاً، إنك لن تشعر بأنه عالم «جديد» عليك، ربما لأن العولمة وحدّت العالم قسراً أو طوعاً، حيث إن الكثير من مظاهر الحياة التي ستصادفها هناك موجودة في البلد الذي أتيت منه، أياً كان هذا البلد، وربما أيضاً، وهذا أمر في غاية الأهمية، هو أنك ستصادف وأنت في أمريكا «القوية» و«العظيمة» ليس القليل من مظاهر الفقر والتمييز التي تصادفها في كل البلدان المنقسمة بين فقراء مدقعين وآخرين سابحين في الثراء الفاحش.
في مانهاتن بنيويورك يمكن أن ينتاب الواحد منا شعور بالضآلة إزاء ناطحات السحاب الشاهقة، وهناك ستكتشف أيضاً أن هذا ليس مجرد تعبير داخل في نطاق المزاج، فما أكثر ما تختفي قمم الأبراج في كتل الغيوم الكثيفة، ولكن على الأرض، في الشارع الذي تقطعه في قلب المدينة ستصادف متسولين، وفي آخر الليل قد تجد من يفترش الأرض لينام.
أي أن فكرة العالم الجديد التي استقرت في أذهاننا ونحن تلاميذ في دروس التاريخ والجغرافيا، ستظل فكرة مدرسية فقط، نسبة إلى ما تعلمناه في المدرسة عن اكتشاف هذا العالم قبل خمسمئة عام، وعلى سبيل المصادفة الصرفة وحدها، حينما قادت الأقدار كولومبس إليه، هو الذي كان يعتقد أن وجهته الهند، لذلك أطلق على البشر الذين وجدهم فيها هنوداً، مع أنهم ليسوا كذلك ولا علاقة لهم بالهند البعيدة، ولتمييزهم عن الهنود أضاف عليهم وصف «الحُمر»، لميلان بشرتهم نحو اللون الأحمر.
ولكن هذا الشعور بعدم الجدة لن يبدد فكرة أنك في عالم آخر، ناءٍٍ، فهذا المحيط الأطلسي الهائل الذي يفصله عن أوروبا وبقية القارات خلق نوعاً من عزلة هذه اليابسة الشاسعة المساحة المسماة الولايات المتحدة الأمريكية عن بقية العالم.
ثمة وجاهة في الاعتراض على القول أعلاه، فهذا المحيط الشاسع يفصل عن بقية العالم القارة الأمريكية الجنوبية، ويفصل أيضاً كندا، فلماذا لم نجد الشعور ذاته فيهما؟ من أعمق التحليلات التي قدمت لصورة أمريكا من الداخل، هي تلك الرؤية المكثفة لإدوارد سعيد في مقالة بعنوان: «أمريكا الأخرى»، تقدم لنا عوناً كبيراً في فهم خصائص التطور التاريخي للولايات المتحدة، والبنية الإيديولوجية للمؤسسة الحاكمة هناك، التي تسوق، قاصدة، فكرة أن أمريكا هي أرض الاستقامة والخير والعدالة، إنها الأرض التي تعد بنيها وبناتها بالمجد والتقدم والرفاه، ويجري العمل بعناية على التمويه على جوهر هذا الخطاب، وتقديمه على أساس أنه أسلوب حياة لكل أمريكي.
د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى