قضايا ودراسات

إيقاعات فلسطينية حزيرانية

يوسف أبولوز
من نكبة 1948 إلى نكسة 1967.. حوالي العشرين عاماً، وبين النكبة والنكسة تاريخ من الدموع التي تحوّلت إلى أناشيد. كثر الشهداء، وقلّت الأمّهات، والبحر الذي كان يبوح بسرّه المائي للموانئ والسفن، صار صفيحة زرقاء باردة.
الأطفال الذين ولدوا في العام 1967، هم اليوم في الخمسين من أعمارهم. أصبح للأطفال أطفال.. وربما أصبح للأطفال أحفاد.. والبحر صفحة زرقاء ميّتة.
1967 ليس رقماً، إنه أشبه بخريطة، أو كهف، أو منفى، أو جسر للخارجين من أريحا إلى أريحا، أو رابية من الشوك، أو دماء متقطعة.
يتعلّق الفلسطيني بالمفاتيح أكثر مما يتعلّق بالأبواب. المفتاح يرمز للأمل، والباب يرمز إلى الطمأنينة وهو لم يعرفها منذ أن تسلل الغزاة من الماء إلى اليابسة.
تتمثّل هزيمة «الإسرائيلي» المعنوية في كونه بلا تراث، ولا ثقافة قائمة في العالم. إنه كائن لاهوتي محشوّ في أساطير ونصوص كاذبة.
صقلت «التجربة» روح الفلسطيني، فتحوّل إلى شاعر غنائي، لغته بيضاء وقلبه أبيض. إنه «عوليس» الجديد الذي لم يتشرّد في البحر فقط، بل في الجغرافيا اللاإنسانية الخشنة.
نادراً ما يكتب الفلسطيني الروايات، فهو في ذاته سردية متواصلة، ولكنها لا تكتمل ولن تكتمل إلا عندما يصل «عوليس» إلى «إيثاكة».
لشهر حزيران تفعيلة المتدارك. للبحر اسم خفيف، وللماء وقع الأغاني، وللرمل شمس رؤوم، وللحب معنى سوى ما يكون على ذمة القلب.. هذا حزيران، صيف، وماء، ونصف حنين.
لكي يكمل «الإسرائيلي» صفته الكارثية أخذ يجرّف الأرض، ويقلع الزيتون ومن كل أشجار فلسطيني لم يكن حانقاً إلاّ من تلك الشجرة. لا شرقية، ولا غربية، ويضيء زيتها العالم.
في المخيم الفلسطيني تزرع المرأة عادة الأشجار دائمة الخضرة. وفي الأشجار شيء من النساء: الزّهر، والثّمر، وحسن المنظر.
يكتب الفلسطيني الشعر أكثر مما يكتب النثر.. كأن الشعر لغة المنفيّ والمهاجر والسجين والأسير، وكأن النثر الإنسان في بيته وفي وطنه، وبين أهله.
كتب محمود درويش «مطار أثينا يوزّعنا للمطارات»، وقال في مكان آخر: «نُزُلٌ على بحر زيارتنا قصيرة»، وقال أيضاً «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». شيء من محمود درويش، يعني شيئاً من فلسطين.
ما أكثر أحفاد عز الدين القسّام. واحد منهم محمد القيسي الذي كتب الكثير من المراثي وعرف أن ما من حداد يليق بغائب كما يليق الحداد بحيفا.
كان ياسر عرفات يرى دائماً ضوءاً في آخر النفق.. الآن نرى نفقاً في آخر الضوء.
ما هذه الأسماء المكتوبة بماء العين: ناجي العلي، غسّان كنفاني، معين بسيسو، راشد حسين، توفيق زيّاد.
يحنّ الفلسطيني في اليوم الواحد ثلاث مرّات: مرّة إلى بيته، مرّة إلى غرفة بذاتها في البيت، مرّة إلى امرأة في غرفة، وإذا تَطَاوَلَ الحنينُ كأشجار الزيزفون، ينام ويحلم.

y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى