قضايا ودراسات

الكوليرا وبؤس الأنظمة

فيصل عابدون
كانت السلطات الحكومية في اليمن الأسرع في توضيح الصورة وكشف الحقائق للمجتمع الدولي، عندما بدأ تفشي وباء الكوليرا في البلاد، وساعدت هذه المبادأة الشجاعة في حشد الجهود الدولية لنجدة المنكوبين واحتواء الوباء الذي حصد الكثير من الأزواج البريئة في هذا البلد العربي.
وفي إطار الجهود الدولية الحثيثة، كانت دولة الإمارات العربية في مقدمة الدول التي استجابت بسرعة، وسارعت عبر منظماتها الخيرية بتسيير جسر جوي لنقل 100 طن من الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية الخاصة بمكافحة الوباء، والحد من تداعياته الصحية والإنسانية على أبناء اليمن.
وعلى الرغم من أن الإحصاءات لا تزال ترسم صورة مؤلمة لانتشار الوباء، إلا أن المبادرة المبكرة بالإعلان عن وجود الوباء وسرعة استجابة المنظمات وتداعي الدول الشقيقة للنجدة، أنقذت حيوات كثيرة كانت مهددة وساهمت في احتواء موجة اشد عتواً للمرض القاتل.
ولم تكن اليمن الدولة الوحيدة التي اجتاحها وباء الكوليرا، فقد رفع المسؤولون في الصومال وجنوب السودان نداءات استغاثة إلى المجتمع الدولي لمساعدتهم في احتواء موجات الوباء الذي ينتشر بسرعة ووجدت هذه الدول المتضررة استجابات متفاوتة ومساندة في التصدي له ومكافحة انتشاره بين القطاعات الضعيفة والطبقات الأشد فقراً.
لكن بعض المسؤولين في دولنا العربية لهم غرام لا يقاوم بعبارة «الوضع تحت السيطرة»، وهو غرام لا مبرر له ويجب تجريمه في أوقات الأزمات والكوارث الكبرى التي تتجاوز قدرات الدولة الواحدة، وتضع مستقبل شعوبها في مهب الضياع.
لقد تجنب مسؤولو الصحة في السودان الكشف عن حقيقة انتشار الوباء لشهور، على الرغم من ظهور وفيات وحالات إصابة للمرة الأولى في ولاية النيل الأزرق في أغسطس من العام الماضي. وتمسك المسؤولون بتصريحات تقلل من خطورة انتشار الوباء حتى تمدّد نطاق انتشاره ليشمل عشر ولايات، بينها العاصمة الخرطوم.
وخلال الأيام الماضية ومع تزايد حالات الإصابة وتعاظم الضغوط الشعبية، بدأ مسؤولو الصحة يكشفون بعض جوانب الصورة القاتمة. واشتكى وزير الصحة الاتحادي من نقص الإمكانات والخطط الاستراتيجية لمحاصرة تفشي الوباء بالوﻻيات. كما اشتكى أيضاً من تقاعس الجهات المسؤولة عن سلامة المياه والإصحاح البيئي. لكنه واصل إصراره على أن المرض لم يصل إلى عتبة الوباء لإعلان حالة الطوارئ الصحية، التي تسمح بتدخل الدعم الدولي لإنقاذ آلاف المهددين بالإصابة.
إن تفشي الأمراض والأوبئة في مجتمع ما، هو نوع من إعلان الحرب في ذلك المجتمع، كونها تنتشر بسرعة وتفتك بآلاف الأشخاص بلا هوادة. وحالة الحرب هذه تقتضي التحلي بأعلى درجات اليقظة والعزم والتصميم مع المحاسبة الصارمة لكل ظواهر التراخي والتقصير.

Shiraz982003@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى