قضايا ودراسات

نظرة فيزيائية إلى النكسة

عبد اللطيف الزبيدي
ليس عدم اكتراث للنكسة تأجيل الكتابة في تبعاتها. ترك القلم غمائم الكلام تمرّ، ليطرح الرؤية التي تكشف غياب الفكر السياسي، وخواء الثقافة الاستراتيجية في العقل العربي. على هذا يكون التأسيس: مخطط تهميش دور مصر تدريجاً.
من الضروري تحديد المسؤول الأول: المناهج التي لم يرد لها النظام العربي أن تكون نهجاً واحداً. سيصرخ الغافلون: «المناهج تاني؟» نعم، المناهج في مصر والعالم العربي بأسره. لكي يستمر الطرح أو يتوقف، يجب الجواب بحسم: هل يريد العرب عالماً عربياً أم لا؟ الأمر مختلف في السلب والإيجاب. ليس في إمكان أيّ عربي تصور أيّ بلد عربي، أو هوية عربية، أو ثقافة عربية، أو لغة عربية، من دون صورة لخريطة جغرافية عربية. لكن العرب لم يتساءلوا، طوال الخمسين عاماً الماضية، عن الانعكاسات النفسية للهزيمة على الشعوب، مسببة سلاسل من الانهيارات في البُنى المعنوية، في الإرادة والطموح، والثقافة آداباً وفنوناً وفكراً. لم يتساءلوا عن أسباب وجود مجامع لغوية متعددة، وفنون هابطة، وعلوم اجتماعية هامشية، وعلم اجتماع سياسي ليس له وجود، وتربية وطنية لا تعرف معنى الانتماء لعالم عربي، اسم بلا مسمّى. أليست المناهج هي المسؤولة عن الجزئي بالكلي؟ لا هوية خارج نطاق اللغة والجغرافيا والتاريخ. لا يتسنى الانتماء الجغرافي بمعزل عن ثقل محوري. من المحال تكوين منظومة من دون جاذبية مركزية. ذلك ممكن خارج فيزياء كوننا. من هنا نرى التخطيط العلمي المتقن لتفتيت العالم العربي: قياساً على الأنظمة الفيزيائية، إذا عزلنا المركزية الجاذبة، انتفى مفهوم المنظومة. أخطر المخططات السياسية ما يبنى نموذجه على القوانين العلمية. ذلك بالضبط ما استهدفوا به مصر في المنظومة العربية. خذ أبسط مثال في القوة الناعمة بعيداً من السياسة، وإن كان في صميمها: حاول أن تذكر أديباً أو مفكراً أو موسيقياً مصرياً، له تأثير في العرب اليوم. كيف حدث ذلك، وكيف كان لحشود من الأعلام في الأدب والفنون وزن في قمرة الريادة الثقافية من الماء إلى الماء؟ هل هذه مصادفة؟ ها قد مرّ نصف قرن على النكسة، ولا بدّ من التفكير في المعضلة المصيرية، في نطاق غياب الثقافة الاستراتيجية وتربية النظرة الانتمائية إلى منظومة، إذا تصورنا أن الهوية يمكن الحفاظ عليها بمنأى عن المحور الجامع، فذلك هو تجاهل البنية العلمية للمنظومة الطبيعية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبية: تستطيع أن تقيم في الطبيعة نظاماً مغايراً لقوانين الطبيعة، شريطة ألا تتوقع له عدم التفكك.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى