قضايا ودراسات

«آيسوب».. وشجرة البلوط

يروي الحكيم والفيلسوف «آيسوب» في قصصه الصغيرة ذات المعاني والدلالات الكبيرة.. هذه الحكاية.. «.. كان الثعلب يتضور جوعاً ويبحث عن أي شيء يسد رمقه عندما رأى تجويفاً كبيراً في شجرة بلوط بها وجبة طعام تركها الرعاة ليتناولوها بعد القيلولة، وزحف الثعلب والتهمها كلها. وعندما امتلأت معدته، وانتفخ جسده لم يستطع أن يخرج من التجويف فأخذ يصيح ويولول وينتحب، وسمع صياحه ثعلب آخر كان يمرّ بالطريق، فسأله ماذا حدث، وعندما روى له القصة كان رده: «ابق كما أنت حتى تجوع وتعود المعدة إلى طبيعتها، وينتهي انتفاخ الجسد، وعندئذ سوف تخرج بكل سهولة..».
أقام «آيسوب» بناءاته الحكمية الفلسفية على لسان الحيوانات أو الطيور: القرد، الغراب، الأسد، الثعلب، الحمار، الأرنب، وكان «آيسوب» أحياناً هو محور القصة أو الحكاية وسط جماهير محتشدة في جزيرة «ساموس»، وكان يتدخل أحياناً لمصلحة أن يمرر فكرة أو حكمة أو موعظة، ولكن قليلاً ما يفعل ذلك.
«آيسوب» الذي تحيط بحياته وشخصيته هالة أسطورية. (هل هو أثيني أم من الصين أم من حكماء آسيا؟؟) كان عارفاً بعلوم عصره وما سبق عصره.. نعرف ذلك من حكاية الأسد الذي كان يعيب على بروميثيوس باستمرار وينتقص من عمله.. وبروميثيوس سرق النار من المعابد الإلهية في الأسطورة اليونانية القديمة وأهداها إلى الإنسان، وتقول سيرته إن زيوس كبير الآلهة: «.. قيده في جبال القوقاز، وأرسل إليه نسراً بأجنحة قوية يلتهم كبده طوال النهار، فإذا جاء المساء عاد إليه كبده، فيعود النسر في الصباح» وبقية القصة معروفة في كتب الأساطير اليونانية.. حيث «هرقل»، أخيراً، يقتل النسر.
هذه ليست قصص أطفال للتسلية أو للنوم، بل، وراءها عقل وفكر وأرواح متأملة في الكون والحياة والناس والوجود والطبيعة والأخلاق والتعامل البشري المشترك الذي تنتج عنه الحكمة أو الأمثولة، والجميل في هذه القصص أنها للصغار وللكبار، وكأن «آيسوب».. سارق النار على نحو ما.. يخاطب عقل الإنسان باحترام وكبرياء، وقد أسقط عمر الإنسان، أو أنه أسقط الزمن الذي يصنف البشر إلى (صغار) و(كبار) أمام الحكمة التي هي خلاصة العقل، بل، خلاصة الروح.
ولكن.. هل تقرأ حكايات «آيسوب» بمستوى واحد، أم أن هذه القصص القصيرة الصغيرة (الخفيفة) لها أكثر من طبقة، وأكثر من مستوى؟. لها ببساطة، أكثر من مستوى، وأكثر من معنى،.. وإلا ما كانت لتبقى حية متداولة وماثلة في ذاكرة الشعوب حتى اليوم.
بعد ذلك، كم «آيسوب» مرّ في حياة البشر بعد ذلك اليوناني (العبد) الغامض بعكس حكاياته الواضحة المباشرة؟.. لا أحد، ولا أحد بإمكانه أن يمتلك مخيلة مثل مخيلته.. تجعله يسرق النار.
بعد ذلك، أيضاً، كم نحن في زماننا هذا في حاجة إلى فريق من سلالة «آيسوب» لعله يدل الثعلب على كيفية الخروج من مأزق تجويف شجرة البلوط.
يوسف أبولوز
y.abulouz@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى