قضايا ودراسات

عصر الهجرة واللجوء

فيصل عابدون

حجم الهجرات البشرية خلال الأعوام القليلة الماضية لا مثيل له في التاريخ البشري القديم والحديث. إذ قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أعداد الأشخاص الذين فروا من بلادهم في أنحاء العالم سجل رقماً جديداً بلغ 65.6 مليون شخص العام الماضي. وهو رقم يفوق تعداد الكثير من الدول ما يعني أن شعوباً بأكملها تتجول اليوم في أنحاء الكرة الأرضية وتبحث عن أوطان بديلة وهو ما يجعل هذا العصر عصر المهاجرين بامتياز.
وقالت المفوضية إن سوريا ما تزال أكبر مورد للاجئين في العالم (5.5 مليون شخص)، تسعون في المئة منهم في الدول المجاورة. لكن النزاع الدامي في جنوب السودان جعل هذا البلد مصدر أسرع أزمة نزوح في العالم وتحول إلى ثالث أكبر مورد للاجئين بعد سوريا وأفغانستان. وارتفع عدد الذين فروا للخارج بنسبة 64% ليصل إلى 1.4 مليون شخص خلال النصف الثاني من العام الماضي وبلغ إجمالي اللاجئين الجنوب سودانيين 1.9 مليون شخص.
الموجات الحالية ليست الأولى من نوعها فقد زحف الألبان مطلع التسعينات بأعداد كبيرة صوب السواحل الإيطالية بعد انهيار النظام الشيوعي الذي كان يحكم هناك. لكن أعداداً كبيرة من المهاجرين حينها وقعوا ضحية لعصابات المافيا وجماعات الجريمة المنظمة قبل أن تنحسر الموجة بعد أشهر.
وشهدت دول الاتحاد الأوروبي في 2015 مستوى قياسياً من طلبات اللجوء التي بلغ عددها نحو1,26 مليون طلب مسجل، بعد 562 ألفاً و700 في 2014. وفي 2016، بقي المستوى مرتفعاً جداً ب1,2 مليون طلب مسجل قدمها خصوصاً سوريون وأفغان وعراقيون. وفي 2015 و2016 مجتمعتين، سجل في ألمانيا وحدها أكثر من 1,16 مليون من أوائل الطلبات من أصل 2,46 مليون في الاتحاد الأوروبي لهاتين السنتين.
ومما لا شك فيه أن الموجات البشرية الهائلة لن تتوقف على المدى القصير والمتوسط على الرغم من فشل رحلة الوصول إلى شواطئ أوروبا أو الغرق في مياه البحر على الرغم من وحشية عصابات التهريب واستعدادهم الدائم للمتاجرة بحياة البؤساء الباحثين عن فرص الحياة الأفضل. لن تتوقف الموجات البشرية على المدى القصير والمتوسط لأن النزاعات والحروب المميتة والمتنقلة من بلد لآخر مازالت مستمرة ويزداد لهيبها ولأن الفقر والانهيار الاقتصادي يمسك بخناق الملايين في دول العالم الثالث ويغلق الآفاق أمام الشبان ويدفعهم لخوض المغامرات الخطرة.
لكن الجانب الأكثر تفاؤلاً من الصورة يبقى في التغييرات المستقبلية، السياسية والثقافية على خرائط العالم والتركيبة الديمغرافية لشعوبه. وهي تغييرات يؤمل أن تقود إلى تقارب أكثر بين الشعوب والثقافات المختلفة.

Shiraz982003@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى