قضايا ودراسات

فرنسا ما بعد الانتخابات التشريعية

د. إدريس لكريني

عزّز الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» موقعه السياسي في أعقاب الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة الخاصة بالجمعية العامة (أحد المجلسين المكونين للبرلمان) في دورتيها الأولى والثانية؛ بعدما تمكّنت حركته «الجمهورية إلى الأمام» التي ظهرت في شهر أبريل لعام 2016 من تبوّؤ موقع الصدارة وفوزها ب 350 مقعدا من ضمن 577 بنسبة تتجاوز الأربعين في المئة من إجمالي المقاعد، فيما تلقى الحزب الاشتراكي ونظيره الجمهوري هزيمة غير مسبوقة في هذا الصدد..
أسهمت متغيرات داخلية وإقليمية ودولية في هذه التحولات الفجائية التي شهدتها الساحة السياسية الفرنسية، فهناك الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الفرنسي خلال السنوات الأخيرة وما رافقها من إشكالات اجتماعية؛ كما أن الهاجس الأمني الذي فرضته العمليات الإرهابية التي شهدها العمق الفرنسي في السنوات الأخيرة خيّم على الحملات الانتخابية الرئاسية والتشريعية، ولا تخفى تأثيرات ملفّات ظاهرتي الهجرة واللجوء في هذا الخصوص؛ حيث استحوذا بدورهما على جزء كبير من اهتمام الرأي العام والنخب الفرنسية بالنظر إلى الإشكالات التي باتت تطرحهما الظاهرتان على المستوى الثقافي والاجتماعي وأمام صانعي القرار في أوروبا بشكل عام وفي فرنسا على وجه الخصوص.. إضافة إلى الموقف من البناء الأوروبي ومستقبل العلاقة مع الاتحاد.
حاول «ماكرون» وحركته الجديدة التي تحوّلت إلى حزب سياسي؛ استثمار مجموعة من العناصر لصالحهما؛ في علاقة ذلك بتآكل البعد الأيديولوجي في زمن العولمة؛ وتنامي الاهتمام بالقضايا والأولويات الاقتصادية.. والاستياء من النخب السياسية التقليدية ومن الرتابة التي أضحت تطبع المشهدين السياسي والحزبي الفرنسيين بين يمين ويسار لم يعودا قادرين على تقديم الإجابات الشّافية للأسئلة الملحّة التي بات يطرحها المواطن، ممّا أفرز حالة من العزوف السياسي والانتخابي..
طرح «ماكرون» مجموعة من الشعارات والوعود في برنامجه الانتخابي كان لها الأثر الكبير في وصوله إلى سدّة الرئاسة في البلاد؛ ولذلك كان الرهان كبيراً على الفوز بالانتخابات التشريعية، حتى يتسنى له تحويل هذه الشعارات إلى تشريعات وسياسات عمومية دون تعقيدات.. في ارتباط ذلك بالتأسيس لحياة سياسية جديدة مبنية على التخليق وتطوير الاقتصاد؛ وإصلاح قانون الشغل، وبلورة استراتيجية فعالة في مواجهة التهديدات الإرهابية..
وعلاوة على الشروط الموضوعية السابقة؛ أسهم الكثير من العوامل الذاتية في دعم فوز الحركة؛ فقد حرصت هذه الأخيرة على تقديم نفسها في هذه الانتخابات كتيار يحمل روحاً جديدة؛ وسعت إلى تقديم مرشحين جدد لم يسبق لهم تحمل مسؤوليات سياسية، كما انفتحت على عدد كبير من الفاعلين في حقل المجتمع المدني؛ مع ترشيح عدد كبير من الكفاءات النسائية بصورة غير مسبوقة.. واستقطاب عدد من النخب السياسية من التيارات اليسارية واليمينية.
وفرضت حركة «الجمهورية إلى الأمام» شروطاً صارمة عند منح تزكياتها للمرشحين في هذه الانتخابات من قبيل استحضار تنوّع المرجعيات؛ وإعطاء الأولوية للشباب والنساء، وعدم تورط المرشح في ملفات فساد، مع اشتراط الانضباط لتوجهات ومشاريع الحركة..
يمكن استخلاص مجموعة من الملاحظات بصدد نتائج هذه الانتخابات، أولها اقتحام عدد كبير من النخب الجديدة للمجلس على حساب تراجع عدد من النخب التقليدية البارزة التي ظلت مهيمنة على المشهد السياسي على امتداد عقود عدة..
وهكذا أتاحت هذه الاستحقاقات تجديد ما يناهز ثلاثة أرباع أعضاء المجلس (أي ما يناهز 432 عضواً من مجموع 577 الذي يمثل العدد الإجمالي المكون للجمعية العامة).. من ضمنهم نسبة مهمة من فئة الشباب؛ وما يحيل إليه ذلك من دينامية وتوجه نحو التجديد والتطوير.. فيما وصل عدد النساء اللّائي ولجن إلى المجلس 223 مقابل 155 امرأة في انتخابات 2012، وهو ما يشكل إنجازا غير مسبوق (بنسبة بلغت 38.65 من مجموع أعضاء المجلس)، وهو ما سيسهم حتماً في تمكين وتطوير حضور النساء في المشهد السياسي الفرنسي، بل إن هناك من اعتبر أن باب ترؤس المجلس من قبل امرأة بات ممكناً أكثر من أي وقت مضى..
كشفت هذه الاستحقاقات أيضاً عن عزوف انتخابي بات واضحاً ومقلقاً؛ فرغم أن وزن الكتلة الانتخابية يصل إلى أكثر من 47 مليون شخص؛ إلا أن نسبة الممتنعين عن المشاركة في هذه الانتخابات كانت مرتفعة؛ وصلت إلى أكثر من 51 في المئة في الدورة الأولى و56 في المئة في الدورة الثانية.. وهو ما يطرح مجموعة من الأسئلة في علاقتها بالأسباب والتداعيات..
ورغم تصاعد «الجبهة الوطنية» في الاستحقاقات الرئاسية الأخيرة؛ فإن حضورها كان باهتا في هذه الانتخابات؛ رغم فوز «مارين لوبان» بمقعد بالمجلس، بعد أن كانت نائبة في البرلمان الأوروبي.. حيث انحصر عدد مقاعد الجبهة في سبع بما لا يسمح بتشكيل فريق داخل المجلس..
أعادت النتائج التي أفرزتها الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفرنسية، طرح أسئلة سياسية وأكاديمية عميقة بصدد المستقبل السياسي للبلاد؛ بين من اعتبر الأمر بداية لإعمال إصلاحات سياسية ودستورية تدعم تجاوز تركة الجمهورية الخامسة التي ظهرت مع الجنرال «ديغول» بموجب دستور 1958 والتأسيس لجمهورية سادسة.. وبين من رأى أن هناك أولويات كبرى أكثر أهمية تطرح اليوم أمام «ماكرون» في ارتباطها بدعم الاقتصاد الفرنسي وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية؛ والحدّ من المعضلات الاجتماعية التي يفرزها ارتفاع نسبة البطالة وتزايد الفوارق الاجتماعية.. وترسيخ الأمن ومواجهة التحديات والإشكالات التي تطرحها الجماعات والتيارات الإرهابية داخل أوروبا بشكل عام وبفرنسا على وجه الخصوص.. بل إن هناك من ذهب إلى حدّ اعتبار أن الوضعية الجديدة ستفقد التوازن للمشهد السياسي بتهميش المعارضة وتحويلها إلى الشارع.. فيما أشار آخرون إلى أن هذه النتائج تشكّل في عمقها مجرّد عقاب وتأديب مرحلي للطبقة السياسية التقليدية، وبأن الموقع السياسي الراهن ل«ماكرون» وحركته لن يتجاوز إعادة الدينامية لدستور الجمهورية الخامسة الذي أسسه الجنرال «ديغول»..

drisslagrini@yahoo.fr

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى