قضايا ودراسات

«داعش» والرموز الدينية

يونس السيد

باسم الدين، والدين منه براء، ارتكب تنظيم «داعش» أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية على مدار التاريخ، من إحراق البشر وهم أحياء إلى عمليات الإغراق والتفجير والذبح وقطع الرؤوس.. وغير ذلك، وباسم الدين دمر «داعش» الحضارة الإنسانية وآثارها التي ظلت شواهد حية على إنجازات الأمم السابقة ومحطات للتواصل بين الأجيال، وباسم الدين أيضاً دمر «داعش» الرموز الدينية من أضرحة ومساجد ودور للعبادة لا يراها التنظيم الإرهابي تتفق مع منهجه المؤدي إلى الجنة.
حتى الجنة، احتكرها «داعش» وأخذ حصرياً حق إرسال الناس إليها، وقدم لهم مقابل ذلك وثيقة «جواز سفر»، لا تحمل له اسماً ولا عنواناً ولا مهنة أو تاريخ ميلاد ولا أي شيء، فقط عليه أن يحجز مسبقاً للقيام بعمل انتحاري يقتل خلاله أكبر عدد من الناس لكي يضمن له مركزاً مرموقاً في تلك الجنة. وكل من كان يختلف مع «داعش» محكوم عليه بالقتل أو بالإعدام من دون أن يتدخل في شكل أو طريقة موته. ولكن ماذا عن إعدام الأوابد التاريخية والحضارية في تدمر والحضر ونمرود وجامع خالد بن الوليد وغيرها وغيرها.. وصولاً إلى جامع النوري ومنارة الحدباء في الموصل، هل اختلف جامع النوري مع منهج خلافة «داعش» التي أعلنها البغدادي من على منبر الجامع نفسه في عام 2014، وماذا عن منارة الحدباء التي بنيت مع الجامع في عهد نور الدين زنكي قبل نحو 800 عام (في 1172) وتميزت بشكلها الهندسي المائل لتكون شاهداً على هذا الأثر الديني والتاريخي الذي اشتهر في العراق وخارج العراق، ولتتحول في النهاية إلى رمز طبع على العملة العراقية من فئة العشرة آلاف دينار.
الحقيقة أن قيام «داعش» بتفجير جامع النوري ومنارته الحدباء، يمثل إعلاناً عن الهزيمة التاريخية للتنظيم الإرهابي، وانتهاء حقبة «داعش» في العراق على الرغم من بقاء بعض الجيوب هنا وهناك، ومع ذلك، فقد أراد «داعش» أن ينهي المسألة على طريقته، حتى لا يعطي الفرصة لأي قائد عراقي بالوقوف على نفس المنبر والإعلان عن انتهاء خلافة البغدادي التي كان قد أعلنها قبل ثلاث سنوات. ولكن ألم يكن بإمكان «داعش» الرحيل وترك هذا الجامع ومئذنته بسلام، قبل أن ينسفهما وينتحر، فهي ليست أصناماً كما كان هذا التنظيم يبرر تدميره لمعظم الأماكن التاريخية والحضارية ورموزها وتماثيلها، تماماً كما أن «جوازات السفر إلى الجنة» التي يتم تقديمها في الرقة، عاصمة هارون الرشيد، لن تقودهم للفردوس الأعلى بقدر ما ترسلهم إلى الدرك الأسفل من النار.

younis898@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى