قضايا ودراسات

إعادة خلط الأوراق في بلاد الشام

د. ناصر زيدان
تشهد الساحتان العراقية والسورية وما يُحيط بهما – في ما يطلق عليها «بلاد الشام» – تطورات متسارعة، وتختلط التدخلات الإقليمية والدولية إلى حدود لم يعُد بالإمكان اللّحاق بها، أو استنباط مفاعيلها المُستقبلية. والمُتابع لما يجري يُدرِك من دون عناء أن تفاعُل الأحداث وتشابكها ليس طبيعياً، وقد تكون مُقدمة لرسم وقائع جديدة في تلك المنطقة العربية الجريحة. أبرز ما يُمكن استخلاصه من هذه الوقائع: تقسيمات جغرافية، وتوزيع مغانم جيوديمغرافية وجيونفطية وجيوستراتيجية، على حساب الطموحات الطبيعية للشعبين السوري والعراقي، وبالتالي سيكون ثمن تخليص تلك الشعوب من قهر واستبداد الأنظمة و«داعش» غالياً، ويمكن أن يُسبِبَ صراعات جديدة طويلة الأمد.
موسكو تقول: إن خطوات جدية تجري لتحقيق السلام في سوريا، ويجري العمل لتسليم قوات النظام مناطق مُتعدِدة لم يكُن يُسيطر عليها من قبل. وصحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية: أن هؤلاء يجرون مباحثات سرية مع مسؤولين روس في الأردن، هدفها تخفيف التوتر في منطقة المثلث الاستراتيجي الذي يقع بين العراق والأردن وسوريا، بعد أن دخلت القوات الأمريكية والبريطانية إلى معبر التنف، ودعمت قوات المعارضة بالأسلحة، لتقطع الطريق على وصل الحدود البرية العراقية مع سوريا، وبالتالي منع استخدام المعبر المذكور جسراً لربط طهران وبغداد ودمشق وربما بيروت (وفقاً لما ذكرته الصحيفة حرفياً).
وبعد وقت قصير من تسريب هذا الخبر، أعلنت قوات النظام في سوريا عن وقف العمليات العسكرية في درعا في الجنوب الغربي لسوريا، رغم أن دمشق كانت قد أعلنت عن نيتها استعادة هذه المدينة الاستراتيجية من المعارضة. وقد أيدت واشنطن إعلان وقف النار في المدينة على الفور، وموسكو قالت بعد هذه التطورات: «إن مفاوضات أستانا ستُستأنف وإن وقف النار يأتي في سياق تنفيذ خطة تخفيف التوتر الذي تمَّ الاتفاق عليه في أستانا في الجولات السابقة».
من الواضح أن هذه التطورات، ولا سيما التدخُل الأمريكي في معبر التنف الجنوبي، لم يُرضِ طهران، لأنه أوقف تمدد الحشد الشعبي الموالي لها باتجاه سوريا، وهي ردت بالتنسيق مع قوات النظام في سوريا، وفتحت معبراً جديداً يربط العراق وسوريا في منطقة وسطى تقع بين معبر التنف الجنوبي ومعبر القائم في الشمال الذي يسيطر عليه «داعش». وقد التقت قوات النظام في سوريا مع القوات العراقية على أرض المعبر الجديد، وأشارت المستشارة الرئاسية السورية بُثينة شعبان في تصريح لوكالة الأنباء الإيرانية في أعقاب هذا الالتقاء: بأن فتح هذا المعبر هو رد على الذين يحاولون تقطيع «محور الممانعة».
الخطوات المُتسارعة في الجنوب السوري وفي بعض الوسط، ومنها «المصالحات» التي جرت برعاية روسيا في محيط دمشق وفي الزبداني؛ مختلفة تماماً عما يجري في شمال سوريا وشرقها، ذلك أن الهجمات التي تشنها «قوات سوريا الديمقراطية» التي تحظى بتأييد أمريكي – والتي تتألف من أغلبية كردية – لتحرير مدينة الرقة من «داعش»؛ يبدو أنها تشغل بال النظام في سوريا، ربما لأنه يهدف إلى كسب مزيد من الوقت، لكي يقوم النظام بهذه المهمة في المستقبل.
الحسابات السورية – الإيرانية المشتركة في منطقة شمال سوريا وشمال غرب العراق، لا تتطابق مع الحسابات الأمريكية وربما الروسية، ولا ترغب الدولتان الأخيرتان الربط بالكامل بين التطورات التي تجري في مدينة الموصِل العراقية، وبين ما يجري في الرقة ودير الزور السوريتين.
وخلط الأوراق الدولية في بلاد الشام يحمل أبعاداً خطيرة، وقد تكون نتيجة هذا الهياج الدولي والإقليمي فرض تقسيمات على المنطقة لا تكون في مصلحة شعوبها، ومنها على سبيل المثال: تخصيص مناطق نفوذ لروسيا في الوسط والغرب السوري، ومنطقة هيمنة تركية شمال حلب، وخلق توتر دائم في المناطق الكردية في العراق وسوريا باتفاق تركي – إيراني لمنع قيام الدولة الكردية. أما في الجنوب؛ فإن التدخُل الأمريكي- البريطاني يبدو أنه لمنع إيران من الّلعب بنار الجنوب السوري القريب من الأردن و«إسرائيل» والذي يقع على مفارق طرُق تتصل بمناطق جنوب العراق.Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى