قضايا ودراسات

قرن الموسيقى

لم يذعن الموسيقي التشيكي أنطونين دفورجاك لرغبة أبيه في أن يصبح جزاراً ويرث مهنة ذبح الماشية عنه، فهرب إلى الكنيسة ليتعلم هناك العزف على آلة «الفيولينة»، وكان محظوظاً عندما اهتم به ناظر مدرسة القرية الذي علمه العزف على البيانو والأورجن، أما العبقرية الموسيقية الأخرى تشايكوفسكي فكان أبوه يعمل مفتشاً في مناجم الفحم، فألحقه أبوه كما يقول المايسترو المصري يوسف السيسي في كتابه «دعوة إلى الموسيقى» بمدرسة القانون، ليعمل كاتباً من الدرجة الأولى في وزارة العدل، أما العبقري الآخر فريديرك فرانسوا وارسو شوبان، فتقول سيرته إن (قلبه) دفن في مدينة وارسو بحسب وصيته، أما الألماني فاجنر فمعروف عنه أنه مقامر.. «..قامر مرة بمعاش أمه كاملاً، ولحسن حظه أنه كسب الرهان..».

«دعوة إلى الموسيقى» أحد كنوز المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت (إصدارات عام 1981) بجهد بحثي مهني للمايسترو السيسي.. يضم سيراً ذاتية وفنية لعشرة من عمالقة الموسيقى الكلاسيكية في أزمان الذوق الرفيع، الذي يحترم هذا الفن العالمي وينظر إلى رموزه بصفتهم أبطالاً وثروات بشرية كونية، غير أن اللافت في هذه السير أن لا امرأة واحدة جلست أمام بيانو، أو عزفت على أورجن كأن الموسيقى (ليست امرأة)، غير أن نساء الطبقة الأرستقراطية، و«دوقات» القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كن مولعات بالموسيقيين، وكان الاقتراب من موسيقي أو شاعر كبير يعتبر امتيازاً اجتماعياً للمرأة، بل، وإشارة إلى مكانتها الثقافية في مجتمع كان يقدس الفن.
إن ما هو أكثر غرابة من كل ذلك، أن يكون القرن التاسع عشر هو قرن كبار موسيقيي العالم، فقد ولد الألماني فاجنر في العام 1813، وولد الألماني الآخر يوهانس برامز بعده بعشرين عاماً، أي في العام 1833، ليولد الروسي تشايكوفسكي في العام 1840، أي بعد مولد برامز بسبع سنوات فقط، وبعد عام واحد من مولد تشايكوفسكي، ولد التشيكي أنطونين دفورجاك في العام 1841، وفي العام 1809 ولد البولندي شوبان، وبعده بعامين فقط، أي في العام 1811 ولد المجري فرانز ليست، وفي العام 1875 ولد الفرنسي موريس رافيل، وبعده بعام واحد فقط ولد الإسباني مانويل ماريا دي فايا أي في العام 1876، وبعده بحوالي سبعة أعوام أي في العام 1881 ولد المجري بيلا بارتوك.
سنوات ولادة متقاربة وفي قرن واحد.. قرن الموسيقى، وثقافتها النخبوية الراقية.
للألمان حصة ملحوظة في هذه العبقريات الكونية، فالثلاثة: فاجنر، وبيتهوفن، ويوهانس برامز بسطوا نفوذاً موسيقياً حراً على العالم، وما أجمله من نفوذ لدولة لم تستعمر في كل تاريخها أي بلد عربي.. فقط: الموسيقى، والفلسفة، وسيارات المرسيدس.

يوسف أبولوز
y.abulouz@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى