قضايا ودراسات

نظام الجهوية وفرص خلق الثروة

أضحت الجهوية من أبرز السمات التي تميّز الأنظمة السياسية والإدارية الديمقراطية المعاصرة، فهي شكل متطور لنظام اللامركزية، التي تنهجها الدول البسيطة، التي تقلّ من حيث الصلاحيات المخولة عن النظام الفيدرالي، وتمثّل آلية مثلى لإشراك الساكنة في تدبير شؤونهم من خلال مؤسسات ومجالس محلية تحظى بصلاحيات وإمكانات مادية هامة دون المسّ بسيادة الدولة ووحدتها.
تتّخذ اللّامركزية صورتين أساسيتين، فهناك اللامركزية السياسية التي تتأسّس على تقاسم السّلطة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بين الدولة المركزية ومختلف الولايات، وهو نظام عادة ما تأخذ به الدول المركبة ضمن جهوية الدولة الفيدرالية، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة. وهناك اللامركزية الإدارية التي تبنى على تقاسم الصلاحيات والمهام الإدارية والمالية بين الدولة ومختلف المؤسسات والمناطق الترابية، وغالباً ما تنهجها الدول البسيطة كالمغرب.
تشكّل الجهوية في أبعادها الإدارية بوابة لتخفيف الأعباء المتزايدة على الأجهزة المركزية للدولة ونهج سياسة دعم الديمقراطية المحلية وتحقيق التنمية.. وهي وإن كانت تقوم على مجموعة من المقومات والشروط المتعارف عليها عالمياً؛ فإن تطبيقاتها تتخذ أشكالاً متباينة تبعاً لخصوصيات الدول.. كما تنطوي على خلفيات وأهداف متعددة قد تكون اجتماعية وتنموية تحرّكها رغبة الدول في تجاوز التباين الحاصل بين المناطق في هذا الشأن، كما قد تكون سياسية تدفع إليها الرغبة في تدبير التنوع المجتمعي داخل الدولة في إطار الوحدة، والحرص على تجاوز مخاطر الانفصال والتجزئة..
بدأ تداول مفهوم الجهوية في الأوساط الأكاديمية والسياسية ما بعد منتصف القرن التاسع عشر، مع تطور الحياة الاقتصادية والسياسية في عدد من الدول الأوربية والرغبة في تجاوز المظاهر التقليدية للإدارة في أبعادها القبلية والمركزية، وإرساء أسس الدولة الوطنية، وانسجاماً مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مع توالي استقلال الدول وما رافق ذلك من تطورات لحقت قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتوجّهت مجمل دول العالم إلى إرساء نظم سياسية وإدارية متطوّرة تدعم بناء المؤسسات وتحقيق التنمية؛ حيث تراجعت نسبة النظم التي تعتمد على المركزية الإدارية والسياسية في تدبير شؤونها.
وتشير التقارير والمعطيات العلمية إلى تزايد عدد الدول التي اختارت نظام الجهوية كمدخل لتعزيز مسارات التنمية وتجاوز الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف المناطق في سياق فتح المجال أمام مكونات الجهة لخلق الثروة واستثمار الإمكانات المحلّية المتوافرة وحسن تسويقها.
منذ استقلاله، اختار المغرب اعتماد اللامركزية في تدبير شؤونه الإدارية، وقد طرح موضوع الجهوية بالمغرب في سياقات تاريخية واجتماعية وسياسية مختلفة. ففي بداية السبعينات من القرن الماضي؛ تم إحداث سبع جهات اقتصادية لخلق توازن تنموي بين مختلف المناطق، ومع بروز اختلالات في هذا الصدد تمّ الارتقاء بالجهة إلى مستوى الجماعة المحلية بموجب دستور مراجع لسنة 1992، ومع دستور 1996، أصبح عدد الجهات (16 جهة)..
وأمام التناقضات التي رافقت النظام الجهوي القائم بفعل الاختلالات القائمة على مستوى الصلاحيات والموارد وتدخل الفاعلين، بما أثر بالسلب في مسارات التنمية والديمقراطية المحليتين، كما أنه فتح النقاش من جديد بصدد إصلاح النظام الجهوي بالمغرب عام 2010؛ حيث عيّن العاهل المغربي لجنة موسعة؛ كلّفت بوضع تقرير عام يبيّن هذه الاختلالات، ويحدّد المداخل اللازمة لتجاوز الإشكالات في ارتباط ذلك بتعزيز صلاحيات مجلس الجهة، وتعزيز التضامن والتعاون بين مختلف الوحدات الترابية؛ والحدّ من هيمنة سلطة الوصاية؛ ودعم مداخيل الجهات.. وهو ما أتاح طرح مجموعة من الخلاصات والتوصيات الداعمة لهذا المسار.
وجاء دستور 2011 ليؤكّد الخيار الجهوي؛ حيث وضع مجموعة من الأسس والمرتكزات التي تهدف إلى تجاوز الإشكالات المطروحة في علاقة ذلك بربط المسؤولية بالمحاسبة، وتأكيد الديمقراطية التشاركية والحوكمة وتعزيز أدوار المجتمع المدني على مستوى مواكبة وبلورة السياسات العمومية ودعم حضور المرأة والشباب في هذا الخصوص..
إن الديمقراطية المحلّية كإطار يعتمد على المقاربة التّشاركية وسياسة القرب هي بوابة لتفعيل الديمقراطية وطنياً، ومدخل كفيل بتعزيز ثقة المواطن في مختلف المؤسسات السّياسية؛ بما يمكن أن يوفّر مناخاً سياسياً يعزّز مسار التحوّل الديمقراطي. كما أنها تشكل أرضية خصبة لتحقيق تنمية كفيلة بتحسين أوضاع المواطنين؛ وهو ما تؤكّده التجارب الرائدة في عدد من الأقطار التي راهنت على اللامركزية في مختف أبعادها كإسبانيا..
إن إرساء قواعد جهوية ناجعة كفيلة بدعم وترسيخ الديمقراطية المحلية بالصورة التي قد تعطي مفهوماً جديداً لتدبير الشأن العام؛ يتطلب وجود مجموعة من المرتكزات والأسس الضرورية لذلك؛ من قبيل وجود تقسيم جهوي منسجم وعقلاني، تحكمه متطلبات التنمية والممارسة الديمقراطية القادرين على تدبير التنوع المجتمعي بصورة بناءة؛ لا الهواجس الانتخابية، وتخويل الجهات صلاحيات وازنة في إطار مؤسسات ديمقراطية ومنتخبة بصورة مباشرة؛ وتوفير الإمكانات البشرية والتقنية والمالية اللازمة لبلورة تدبير ميداني فاعل وقادر على خلق الثروة.
وعلاوة عن الأهداف التنموية التي يمكن أن تحقّقها الجهوية في شكلها السياسي أو الإداري إذا ما بنيت على أسس قويمة؛ فإن إعمالها بصورة سليمة؛ سيخلف آثاراً سياسية مهمة؛ يمكن إجمالها في تجديد النخب المحلية وإضفاء قدر من الدينامية على المشهد السياسي، وتدبير التنوع المجتمعي بصورة بنّاءة بما ينعكس بالإيجاب على الممارسة الديمقراطية في بعدها المحلي والوطني.
إن تطوير الديمقراطية والتنمية المحلّيتين من خلال هذا الخيار الاستراتيجي يطرح ملاحظتين: الأولى تحيل إلى أن المدخل القانوني وإن كان ضرورياً فهو ليس كافيا لتحقيق الأهداف والرهانات المتوخاة من الجهوية، الأمر الذي يسائل الفاعلين أيضاً ويفرض انخراطهم بجدية وكفاءة في هذا السياق.
أما الملاحظة الثانية، فتشير إلى أن كسب رهان خلق الثروة يتطلب تجاوز التدبير التقليدي المنغلق الذي يكتفي بتلبية الحاجات اليومية، إلى تدبير استراتيجي عقلاني ومنفتح على المستقبل يقوم على الإبداع والتخطيط والرؤية المستقبلية والتشاركية والحوكمة والنجاعة..

د.إدريس لكريني
drisslagrini@yahoo.fr

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى