قضايا ودراسات

الـ «ناتو» بخير.. لكن المشاكل تختمر

مارك ويبر*

على الرغم من أن حلف الناتو يبدو في صحة أفضل مما كان متوقعاً، مع تبدّل موقف الرئيس الأمريكي إزاء الحلف – إلى جانب أمور أخرى- فإن هنالك مشاكل تختمر، وقد تضطره إلى التدخل لإدارتها.
حتى الآن، كان عام 2017 عاماً جيداً بالنسبة لحلف الناتو. دونالد ترامب الذي كان قد شطب التحالف أثناء حملته الانتخابية، معتبراً إياه «عفّى عليه الزمن»، تراجع عن ذلك في إبريل/ نيسان، وأثنى عليه باعتباره «حصناً للسلم والأمن الدولييْن».
والرئيس الفرنسي الجديد، إيمانويل ماكرون، وَعَدَ بأن فرنسا سوف «تحترم التزاماتها بتحالفاتها»، ورئيسة الوزراء البريطانية، فيما يبدو، سوف تفوز في الانتخابات العامة في 8 يونيو/ حزيران. وهذا لن يُبقي فقط جيريمي كوربن المتشكك في الناتو خارج رئاسة الوزراء، بل سيتيح لحكومتها أيضاً أن تسعى دونما تردد لقيادة الدفاع الأوروبي في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وهذا سوف يضع الناتو في موقع المزوِّد الرئيسي للأمن العسكري لأوروبا، وهو الأمر الذي لا يمكن إلاّ أن يعود بالنفع على الحلف مع استمراره في اتباع خطّ حازم ضدّ موسكو. فعندما ضمّت روسيا القرم عام 2014، ردّ حلفاء الناتو بدعم عسكري لدول البلطيق وبولندا، ورومانيا وبلغاريا. وكانت الولايات المتحدة مشاركاً نشطاً- واستمرت مبادرة طمأنة أوروبا التي أطلقها أوباما، قائمة في عهد ترامب.
ويمضي الناتو أيضاً قدُماً في «استراتيجيته الجنوبية» في الشرق الأوسط، حيث ينشر طائرات في الأجواء التركية لدعم التحالف المناهض ل «داعش»، وينفذ برامج تدريب للقوات المسلحة العراقية. وفي فبراير/ شباط، اتفق وزراء دفاع الناتو على إنشاء «محور للجنوب» جديد، «ردّاً على التهديدات النابعة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا».
إذاً، هل يسير كل شيء على ما يُرام بالنسبة إلى الحلف؟ الأمر بعيد عن ذلك.
لأمر واحد، هو أنه ليس من الواضح ما إذا كان تحوُّل ترامب نحو الناتو سوف يستمر. فظهوره في اجتماع الناتو، في 25 مايو/ أيار، أبقى التوقعات منخفضة، لم يوصف اللقاء حتى بأنه قمة رسمية. وبإصرار من الولايات المتحدة، تم حصر جدول الأعمال في قضيتين فقط: مكافحة الإرهاب (بما في ذلك في أفغانستان)، وتقاسم الأعباء.
وليس أيٌّ من هاتين القضيتيْن أرضاً بكراً. فالناتو منغمس في الأولى منذ سنوات عديدة. وقد نشر دوريات جوية في الولايات المتحدة فور وقوع هجمات 9/11، واضطلع «بمكافحة الإرهاب في البحر» ويقوم بتنفيذ مهمات بحرية مستمرة في البحر المتوسط منذ عام 2001.
وقد أحسن المسؤولون بالناتو في الأسابيع الأخيرة صنعاً (بمساعدة من وزراء الخارجية الأوروبيين)، إذ قاموا بدمج هذه الأنشطة ضمن حزمة متماسكة- ولكنْ حتى لو تمَّ إقناع ترامب حالياً، فإن الأجندة قد تنحلُّ مع ذلك.
ويبدو التحالف الآن، تحالفاً بين غير الراغبين؛ لأن فرنسا وألمانيا وإيطاليا غير مسرورة من اقتراحات الولايات المتحدة إعطاء الناتو دوراً أكبر في التحالف المناهض ل «داعش»، وهنالك اهتمام قليل خارج واشنطن بتوسيع دور الناتو في أفغانستان، حيث إن «التصعيد» العسكري هناك، الذي تقوم إدارة ترامب بدراسته حالياً، لم يعُد متوقعاً أن يحقق النصر ضدّ طالبان، أكثر مما حققته جهود جورج دبليو بوش وباراك أوباما. وإذا حصل تقصير (وعندما يحصل) أو حصل خطأ، فقد يُلقي ترامب اللوم على حلفاء الناتو لعدم رغبتهم في الانضمام إلى القتال.
وليس من المتوقع أيضاً، أن تتخلى الولايات المتحدة عن مطالباتها بشأن تقاسم الأعباء. فقد ذكر الأمين العام للحلف في مارس/ آذار، أنه على الرغم من أن 16 دولة من حلفاء الناتو، شهدت زيادات حقيقية في الإنفاق الدفاعي الإجمالي عام 2016، فإن خمس دول فقط- هي الولايات المتحدة، أستونيا، اليونان، المملكة المتحدة وبولندا- تحقق هدف إنفاق الناتو الدفاعي البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المتوقع أن تبلغ تركيا، رومانيا، لاتفيا وليتوانيا ذلك الهدف عام 2018، أو 2019، ولكن ألمانيا، إيطاليا وكندا – وهي ثلاث من كبرى دول الناتو – أبدت حماسة قليلة لفعل الشيء ذاته.
وفرنسا، كما ذكر ماكرون، لن تبلغ ذلك الهدف قبل عام 2025 على أقل تقدير. وقد دعمت إدارة ترامب فكرة وضع خطط وطنية تلزم الحلفاء بأهداف مؤقتة، ولكن هذه الخطط، يتوقع أن تسلط الضوء على مشكلة نقص الإنفاق، بمقدار ما تحلّها. وأسوأ الأمور طرّاً، أن وراء كل ذلك، تكمن قضيتان لا يتطرق إليهما جدول أعمال المؤتمر الأخير. الأولى، أن هنالك مشاكل كبرى تختمر في غربي البلقان: العنف الأولي في كوسوفو، مقدونيا والجبل الأسود، قد يجبر الناتو على العودة إلى التورط الجدّي في إدارة الصراع في البلقان.
والثانية، أن لدى الناتو مشكلة كبيرة تتعلق بالتوجهات الحالية في تركيا.
وقد يخرج الناتو من زيارة ترامب لبروكسل، دون خلاف علني- ولكن المشاكل سوف تستمر في التصاعد من وراء ستار.
(ملاحظة: المقالة مكتوبة عشية الزيارة المذكورة، ولكن التحليل الوارد فيها، مفيد مع ذلك).
* أستاذ السياسة الدولية في جامعة برمنجهام. موقع: ذي كنفرسيشن


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى