قضايا ودراسات

خواطر في عدالة السماء

عبد اللطيف الزبيدي

مبحث شائك، هو العدل الإلهي. الفلاسفة وأهل النظر في الأديان والمعتقدات، شغلهم هذا المحور، لصعوبة إدراك تعقيدات الحياة وسلبياتها. العقدة تتمثل في أن الإنسان لا يفهم أسباب انطحان الأفراد والمجتمعات، في الكوارث الطبيعية والحروب وأشكال الظلم والاستبداد والفساد. أبو الطيب يتردّد في الرؤوس: «ومن تفكّر في الدنيا ومهجتهِ..أقامه الفكر بين العجز والتعبِ».
الإيمان الإسلامي يستطيع أن يهدّئ الفكر بالآية الحوارية بين الله والملائكة: «قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون» (البقرة 30). لكن القضية لا تخص ديناً معيّناً، فهي شاغل وجوديّ لكل آدميّ، لهذا يجب النظر فيها خارج المعتقدات أيضا، لعل البحث العلميّ يقود إلى طرح موضوعي مفيد.
لا يكون البحث موضوعياً إذا استثنينا البشر من نظام الحياة الحيوانية الأرضيّ. النظام البيولوجيّ بكامله، بل منذ الحمض النووي، قائم على الصراع، الذي له محوران: تأمين الطاقة وضمان الاستمرار بالتكاثر. هذان هما الأساسان، وكل الباقي تفاصيل. من الأوهام السائدة فصل الآدميّ عن المخلوقات الحية على كوكبنا، وفصل الأرض عن الكون. لهذا لا يربط الكثيرون الحروب والمظالم بما يجري في مجتمعات الحشرات والأسماك والطيور والثدييّات عاشباتٍ ولاحمات.
الذين يتوهمون أن الآدميّ الحاليّ («الحاليّ» منذ وادي الرافدين وأوغاريت ومصر القديمة)، هو نسخة إنسان نهائية، يقعون في مطبات تتعارض حتى مع النص القرآنيّ: أين «إني أعلم ما لا تعلمون»؟ إذا صح توهمهم فإن النسخة النهائية هي «من يفسد فيها ويسفك الدماء». نحن إذاً أوعلى الأرجح في الخطوة الأولى على طريق المليون سنة من الوصول إلى الإنسانية التي يسودها الاستغناء عن قانون الغاب وصراعات الغرائز الحيوانية. المؤرخ الرائع جيمس هنري بريستد تحدث في كتابه «فجر الضمير» عن بزوغ القيم في مصر القديمة، ولكن البشرية لم تصل إلى الصبح والضحى والظهر والعصر بعد. القوانين صورة تطبيقية للأخلاق، ولكنها لا تزال بعيدة من التحكم في الغرائز التي تلوي عنق القانون. تطوّر الإنسان لا يزال في بدايته. الإنسان هو الذي يتحمّل مسؤولية أفعاله وأفعال غيره أفراداً ومجتمعات. على المخلوقات ألّا تحمّل السماء مسؤولية حل مشكلاتها من الفيروس والنملة والنمر والإنسان، ولا أن ينتظروا أن تُوقف الألواح التكتونية والسيول حركتها.
لزوم ما يلزم: النتيجة التحريرية: هل نحن مسوّدات في مسيرة التطور الكونيّ؟ إذا تفكرت في الكون، فلن تجد غير الطاقة التي تنتفي فيها الأضداد.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى