قضايا ودراسات

من ذاكرة الحداثة

ضمن سلسلة صور تنشرها وكالة أنباء البحرين في مسعى لنشر أرشيف يوثق لفعاليات مختلفة في تاريخ البحرين الحديث، سواء كانت رسمية أو أهلية، توقفت مطولاً أمام صور نشرتها الوكالة لأمسية شعرية أقامتها أسرة الأدباء والكتاب في مارس/ آذار 1970، حديثة التكوين يومها، من قبل مجموعة من أصحاب المواهب الأدبية الشباب، الذين غدا الكثير منهم، لاحقاً، رموزاً للحركة الإبداعية الجديدة في البحرين ومنطقة الخليج.
الأمسية كانت لمجموعة من الشعراء والشاعرات من البحرين، وأقيمت في قاعة أحد الأندية الرياضية في العاصمة المنامة، هو نادي النسور الذي لم يعد موجوداً اليوم، ربما بسبب اندماج مجموعة من الأندية المتفرقة في عدد من الأندية الكبرى.
تظهر إحدى الصور الجمهور الحاشد، هائل العدد، بالقياس لجمهور نشاط أدبي أو ثقافي، فالقاعة اكتظت عن آخرها بالجمهور الذي كان بعضه واقفاً، فيما امتلأت الشرفة العلوية، هي الأخرى، بأعداد إضافية منه، وكانت مظاهر «حداثة» المجتمع البحريني، آنذاك، طاغية على الحضور المختلط من الجنسين، حيث جلس الرجال إلى جانب النساء في صفوف واحدة، دون أن يكون ذلك مدعاة للاستهجان أو الاستغراب، ولم يكن عدد النساء بين الحضور بأقل من الرجال، إن لم يزد، ما يحملني على التذكير بما قلته في مقال الأمس عن قابلية المجتمعات العربية للتقدم والحداثة، وهي قابلية جرى ويجري تعطيلها، منذ أن استبدت بالمجتمعات قوى التحجر والمحظورات الاعتباطية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
حين أعدت نشر هذه الصورة على صفحاتي في بعض وسائل التواصل الاجتماعي انهالت التعليقات المملوءة بتعبيرات الدهشة والإعجاب بما توحي به من دلالات، فهي أولاً تظهر ديناميكية الحراك الثقافي الواعد في البحرين آنذاك، وكيف كان جنس أدبي مثل الشعر يستقطب هذه الأعداد الغفيرة من الجمهور، الذي يستحيل أن تصادف منه، اليوم، حتى بضع عشرات في أعرق المدن تقاليدَ في الثقافة، أو حتى في المهرجانات الشعرية، علماً بأن جل الشعراء والشاعرات المشاركين، وربما كلهم، كانوا يكتبون قصيدة التفعيلة، لا القصيدة العمودية التقليدية، ما يوضح تلهف الناس لا لسماع الشعر وحده، وإنما الشعر الحديث تحديداً.
بعض أصدقائي من البلدان العربية الذين استوقفتهم الصورة قارنوا بينها وبين مشاهد شبيهة تحفظها ذاكرتهم عما كان عليه الحال في بلدانهم في تلك الحقبة، ملاحظين حجم الردة الثقافية والمجتمعية الكبيرة التي تجتاحها اليوم، ما يعني أن صعود ومن ثم نكوص الحداثة هي ظاهرة عربية بامتياز ولا تخص بلداً بعينه، رغم ثقتنا بأن هذا النكوص مؤقت؛ لأن الحداثة، رغم تراجعها، أرست مرتكزات يُمكنها أن تعاود البناء عليها، ولو بعد حين.

د. حسن مدن
dr.h.madan@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى